تونس الآن

تونس الآن

أشيروا إلى الجهة المقابلة: تونس

أشيروا إلى الجهة المقابلة: تونس

محمد أبو الغيط

كاتب مصري

حركة النهضة هي حزب الأكثرية في البرلمان التونسي منذ العام الماضي. هذه معلومة مهمة، حين نقرأ خبر موافقة البرلمان التونسي بالإجماع على القانون الجديد لمكافحة العنف ضد المرأة. لا يوجد نائب "إسلامي" واحد رفع يده معارضاً. 
يشدّد القانون العقوبات على العنف الجسدي والجنسي والمعنوي، حتى تصل إلى سجن الزوج خمس سنوات، لو منع الطعام أو العلاج عن زوجته. يغير القانون تعريف الاغتصاب بنص يسمح بإدراج الاغتصاب الزوجي للمرة الأولى، كما أنه تم إلغاء المادة 227 التي كانت تنص على إسقاط عقوبة المُغتصب إذا تزوج ضحيته. وينص أيضاً على توفير أماكن حكومية للحماية، وكذلك إدراج برامج "مبادئ القوانين الإنسانية والمساواة بين الجنسين" في المناهج التعليمية.

بينما أقرأ بنود القانون، تذكّرت حين حضرت مصادفة درساً لقيادي إخواني، قبل ثورة يناير/ كانون الثاني بأسبوع، كان يقول إن الثورة التونسية حدثت لأن "الله يغار على محارمه"، ومن أسباب هذه الغيرة الإلهية قانون منع تعدّد الزوجات في تونس. 

ثم تدور الدائرة، ولا تفكّر حركة النهضة في إلغاء هذا القانون، والذي يشمل أيضاً حق المرأة بتطليق نفسها، بل بالعكس يدافع عنه زعيم الحركة، الشيخ راشد الغنوشي، معتبراً أن تعدّد الزوجات في الاسلام "أمر مباح واستثنائي"، لذلك فإن المُشرّع إذا وجد أن غرضه الإصلاحي لم يتحقق "يمكن إيقاف العمل به مدة محدودة أو غير محدودة". 

المقارنة واجبة، ليس فقط بتاريخ الأداء البرلماني لجماعة الإخوان في مصر بأمثال هذه القضايا، بل حتى بأداء النواب المحسوبين على الدولة، كما حدث أخيرا من مجاهرة بعضهم برفض تغليظ عقوبة ختان الإناث، وترديدهم أساطير جاهلة عن هذه الممارسة الإجرامية. 

تبدو تونس محظوظةً بنخبها الإسلامية والعلمانية، وبشعبها المتعلم. قادة التيار الإسلامي التونسي فلاسفة ومفكرون، كانوا ينشرون كتبهم في لندن وباريس، وهذا مختلف تماماً عن تنظيمٍ قادته مهنيون وتجار تكونت خبراتهم الأساسية في أرياف الدلتا. 

كان الجناح الإسلامي الثاني في تونس سلفية مدخلية أو جهادية، وكلاهما يُحرّم الانتخابات، وكان هذا من حسن الحظ، لكي يبقى كل من شارك متفقاً على أساسيات موحدة، فلا يتم تفجير المجال السياسي، على الرغم من أنهم اتجهوا بديلا عن ذلك لتفجير أنفسهم! انتهز التيار الجهادي فرصة الثورة، ليسيطر على المساجد والمدارس، وبسرعةٍ أنتج جيلاً شكّل أكبر عدد من المهاجرين إلى تنظيم داعش في العالم. 

كان موقف "النهضة" واضحاً في مفاصلته، كتصريح الشيخ عبدالفتاح مورو في مايو/ أيار 2013 مخاطباً جماعة أنصار الشريعة: "أنتم غزاة، على الرغم من أنكم تحملون الجنسية التونسية، والشعب التونسي سيعزلكم ويكرهكم". التاريخ مهم لأنه، في وقت مبكر، قبل إعلان "داعش"، وأيضاً قبل عزل محمد مرسي في مصر. وفي خطوة تاريخية، تخلت "النهضة" عن مطلب إدراج الشريعة في الدستور التونسي، ولاحقاً أعلنت فصل العمل الدعوي عن السياسي. 

على الجانب المقابل، نجد نموذج الباجي قايد السبسي. حين تصاعدت الانتقادات لحكومة الحبيب الصيد، بدلاً من المعاندة والتمسّك برجله، فعل العكس تماماً، أعلن أن تونس تحتاج حكومة وحدة وطنية واسعة. وبالفعل، تم توقيع اتفاق قرطاج بحضور تسعة أحزاب وثلاث حركات. وهكذا، تم سحب الثقة من حكومة الصيد، وكلف السبسي يوسف الشاهد، أصغر رئيس وزراء في تاريخ تونس. وعلى خلفية ذلك كله، نجد جيشاً محايداً، بلا أي دور سياسي أو اقتصادي. 

لا يعني كل ما سبق أن تونس أصبحت جنة، ما زالت فيها مشكلات اقتصادية، وبطالة، وفاسدون يفلتون من العقاب، ورجال شرطة يرتكبون جرائم تعذيب، ومتطرفون مجانين، علمانيون وإسلاميون. لكن فارقا كبيرا بين من وضع قدمه على أول خطوات طريق الصعود ومن يهوي سريعاً للهبوط. 

لجأت كل من تونس ومصر إلى قرض من صندوق النقد الدولي، لكننا ندرك الفرق حين نعرف أن إجمالي التضخم لعام 2016 في تونس كان 4.6% فقط، أو حين نرى مشهداً أسطورياً كتوقيع اتفاق تطاوين بعد تفاوضٍ محترم مع الأهالي المحتجين. 
إذا كان المستبدون يخوّفون شعوبهم بالإشارة نحو سورية والعراق، فعلى الديمقراطيين أن يشيروا إلى الاتجاه المعاكس، إلى تونس.