تونس الآن

تونس الآن

التكامل: ضمانة الاستقلال الوطني وشرط النهضة

التكامل: ضمانة الاستقلال الوطني وشرط النهضة

صالح عوض

كاتب ومفكر فلسطيني

قد دفعت الأمة في كل أقطارها دماءً عزيزة من أجل استقلالها الوطني ودخلت معارك عديدة على صعيد بناء منظوماتها الاقتصادية والاجتماعية، وبرغم توفر الإمكانات والمواد الخام التي تميزت بها المنطقة العربية، إلا أن الاقتصاد العربي ظل مرتبكا وريعيا ومعتمدا بشكل أساسي على معادلة الاستهلاك الذي يقود العرب إلى دائرة التبعية والارتهان السياسي لتوجّهات الدول الكبرى المتحكمة بالصناعة والتقنية بل وبالمواد الغذائية بحيث أصبحت الثروات العربية تقدّم لتشغيل مصانع الغرب وحل إشكالاته الاقتصادية وأصبحت مجالا لتوزيع النفوذ والاستغلال لكبرى الشركات الرأسمالية العالمية وبهذا اصبح موضوع الاستقلال الوطني وحماية القطر في دائرة الخطر.. بل يكون في كثير من عناصره أصبح مفقودا.

لقد تميّز كل قطر من أقطار العرب بإمكانات معيّنة من الثروات الأمر الذي يفرض بداية عليهم التبادل والتكامل البيني وهو غير مشروط ولا تقف خلفه سياسات استعمارية، وإذا اتجهنا خطوة جديدة فإننا نفتح المجال أمام السوق العربية التي تستطيع توفير مجالات التنافس والإبداع في قطاع الصناعة العربي الذي يعاني من العجز وعدم القدرة على إيجاد أسواق كفاية، وهذا يدفعنا إلى الحديث عن البحث العلمي والابتكار المرتبِط بالصناعة التي تصبح احد المداخيل السياسية للقطر وأحد ضمانات سيادته كما ان هذا سيشكل اهم عناصر التخلص من التبعية الاقتصادية والسياسية للاجنبي.

إن المداخيل العربية "5 تريليون دولار" تجعل العرب في المرتبة الرابعة دوليا في المداخيل تمكنهم من فتح ملفات التنمية الزراعية والصناعية وتوفير القاعدة الأساسية للانطلاق بمشاريع عملاقة من شأنها تحقيق الاكتفاء الذاتي بنسبة كبيرة في المنطقة العربية الأمر الذي يجنبها الاهتزازات الاجتماعية والسياسية الناتجة عن العوز والفقر والبطالة ويحفظ لها طاقاتها البشرية التي تتعرض الآن إلى أخطر عمليات النزف بهجرة العقول والكفاءات العربية إلى الخارج.

إن بسط النظر على الإمكانات العملاقة للوطن العربي يكشف خطورة الاستمرار في عدم الانطلاق بمشروع عربي متكامل من أجل ضمان السيادة وتحقيق النهضة، وللأسف ارتبط هذا الموضوع في هذا الاتجاه في موضوع آخر وباتجاه آخر وهو موضوع علاقة كل قطر عربي مع الغرب حيث ارتضى كل قطر بالتعامل مع الغرب بمعزل عن موقف الغرب الاستعماري من الأقطار العربية الأخرى؛ ففي حين يتعامل الغرب الاستعماري كله بكتلة واحدة باتجاه واحد في قضايا كل قطر من أقطارنا، يتحرك كل قطر عربي بمعزل عن هموم الأقطار الأخرى مع المعسكر الغربي، ولعل العدوان الغربي الاستعماري على فلسطين هو مواقف الأقطار العربية تجاه قوى الشرّ واضح كما هو واضح إزاء الهجوم الغربي الاستعماري على العراق وليبيا والسودان والصومال، الأمر الذي يظهر إلى أي مدى فقد العرب القدرة على الاستفادة من إمكاناتهم وعلى مدى تفريطهم بقيمة الروابط البينية فيما بينهم.

إن مصلحة كل قُطر من اقطار العرب تكمن جوهريا وموضوعيا  في حجم العلاقات البينية مع الدول العربية ولا يمكن توفير شروط السيادة والاستقلال  الوطني لأي قطر عربي بمعناه الواسع بأي قطر دون علاقات تبادلية تكاملية مع اقطار عربية اخرى.

إن تجارب مواجهات النظام العربي مع المشروع الاستعماري إلى أي مدى تقع بنا الخسارة تلو الخسارة، فلو ضربنا مثلا السودان والعراق وليبيا نجد أن كل مثال إنما هو تعبير صارخ على أن الدولة القطرية مهما كانت لديها طاقة وإمكانات إلا أنها لا تستطيع مواجهة المشروع الاستعماري ولا تغني عنها كل إمكاناتها المادية، ومن جهة أخرى نكتشف حجم الخسارة العربية بتعرض اي من هذه الأقطار للتحديات التي انتهت بتكسير الدولة العراقية ونهب ثرواتها وإخراجها ثلاثة عقود من ساحة الفعل العربي، كما أن ترك السودان وحده في مواجهة التحديات الاستعمارية افقد العرب سلة غذائهم، فيكفي أن نعلم أن السودان بإمكانه إنتاج 127 مليون طن قمح تكفي الوطن العربي وزيادة، وفيه من المواشي اكثر من 120 مليون، كما أن فيه من الثروات المتعددة ما يمكن اعتباره المخزن الاستراتيجي للامن الغذائي العربي وكان يكفي للأقطار العربية التي هي في احتياج الحبوب أن تستثمر في هذا القطاع وإلا تخضع للتوجهات الغربية للمقاطعة تجاه هذا البلد أو سواه، والأمر نفسه يقال عن ليبيا توزعت آبار نفطها الآن على الشركات الأوروبية وذهبت ثرواتها متناثرة حسب المخطط الاستعماري. 

إن التكامل يعني التوجُّه مباشرة للصناعة التكميلية والإنتاج التكميلي وانفتاح القنوات البحثية والتعليمية بين البلدان العربية، وسنجد أن هناك أقطارا عربية لديها ثروات مالية هائلة لكنها معوزة في جوانب عديدة، فهي أن لم تبحث عن تكاملها داخل الدول العربية فإنها ستلجأ حتما لاشتراطات الأعداء، وهناك اقطار عربية لديها إمكانات وطاقات بشرية وكوادر وخبرات لكنها دون إمكانات من حيث الثروة المالية، فاذا لم تنفتح هذه الدول على المال العربي والسوق العربي فإنها مهددة بنزف مستمر لثروتها البشرية أو سقوط مريع لمجتمعاتها تحت طائلة الفقر والبطالة. 

إن السياسة الاستعمارية في طبعتها الاخيرة تجاه البلدان العربية نهجت سبيل الحصار والمقاطعة والعقوبات، وللأسف انخرطت كل الدول العربية في تنفيذ السياسة الاستعمارية فكيف يمكن تصور ان تلتزم كل الدول العربية بمقاطعة العراق وحصاره في مجال الطيران والتجارة بيعا وشراءً أكثر من 11 عاما؟ وكيف يمكن تصوّر أن تجمع كل الدول العربية على تنفيذ المقاطعة والحصار على السودان طيلة مدة العقوبات الأمريكية على السودان إلى الدرجة التي يتم فيها إرغام البلد على القبول بالتقسيم وإرغامه على تعطل مجالات التنمية وتجنيد ثرواته وقدراته سنوات طويلة؟ 

إن التكامل العربي يوفر شروط الاستقلال الوطني كاملة والسيادة الوطنية كاملة كما انه يوفر شروط النهضة في الأمة، وسيجد العرب أنهم متى ساروا في هذا النهج قد أصبحوا قطبا كونيا يتحرك في مجالات حيوية كبرى: الأول المجال الاسلامي الثاني المجال الافريقي الثالث دول عدم الانحياز.

إن هذا هو العبادة التي أشار إليها الله سبحانه وتعالى في الآيات القرآنية "وأنا ربكم فاعبدون" والإخلاص لهذا التوجُّه والالتزام به هو مناط التقوى "وأنا ربكم فاتقون".. تولانا الله برحمته.