تونس الآن

تونس الآن

الخطاب و الذّاكرة 

الخطاب و الذّاكرة 

د.سامي براهم

كاتب وباحث تونسي

أستمع إلى خطاب المعارضة الرّاديكاليّة في البرلمان الذي يجد هوى في نفسي التي لا تزال مشدودة لكلّ الآمال و الطّموحات التي فجّرتها الثورة في قلوبنا و عقولنا ، كما اتّفق مع هذا الخطاب في تشخيصه للوضع السياسي و مكوّنات المجتمع السياسي و هويّاتها و مرجعياتها.

كما تستثيرني صيحات التحذير و التّشهير و النّكير على العودة المتصاعدة لمن كانوا مكوّنا عضويا من مكونات المنظومة القديمة دون أن يقدّموا نقدا ذاتيّا أو مراجعات أو ما يفيد تغيّرا في الوعي و السّلوك السياسي.

كلّ هذا الخطاب يعبّر عن شجاعة و جرأة في التعبير عمّا يعرفه الجميع دون جهد أو ذكاء في الكشف عنه ، لكن كلّما استمعت إلى هذا الخطاب قفزت إلى ذهني تلك الأسئلة المؤرقة:

متى اكتشفت المعارضة الرّاديكاليّة حقيقة الأطراف التي تحذّر اليوم من عودتها ؟ 

ألم تكن هذه المعارضة هي نفسها الظّهر التي اعتلتها هذه الأطراف على طريقة " ستّي إن أعياك أمري فاحمليني زقفونة " حتّى تمرّ من صراط الثّورة إلى برّ الأمان السياسي لتكون رافعة لعنوان الإنقاذ بعد أن كانت مستهدفة بإنقاذ الشّعب من مخلفات سياساتها و انتهاكاتها التي قامت من أجلها الثورة ؟

كانت التعلّات وقتها قائمة على أساس تحالف يمين حداثي و يسار حداثي في مواجهة عدوّ الحداثة و نمط المجتمع و اعتُبِرت المعركة معركة وجود ، و تحت هذه التعلّة أوقف المسار السياسي و التأسيسي و الانتقال الديمقراطي و دخلنا في نفق لا نزال نحاول الخروج منه.

المعارضة التي أقامت فرزا بهذا الشّكل و ضمن هذه الأولويّات لماذا تصادر اليوم حقّ مخالفيها في التّفكير بنفس المنطق و بناء أولويات و فرز بنفس المعايير للحفاظ على وجودهم و أمنهم ؟

كان يفترض أن يكون الفرز على أساس الحفاظ على مسار الثورة مهما كانت أهميّة الفرز الأيديولوجي و الثقافي ، لكن من اختاروا فرزا آخر و اصطفافات على حساب الثورة و مارسوا كلّ أشكال الالتفاف و قطع الطّريق على مسار أنتجته الثورة و لم يُفرَض من الخارج بل و ساهموا في إضعاف هذا المسار و تخريبه و في نفس الوقت تقوية الأطراف المُستَهدَفة اليوم بالإدانة و التّشهير و المثيرة للعويل و النّدبة.

يجب أن تتحمّل هذه المعارضة مسؤوليّة ما جنته على البلد بكلّ شجاعة و رجولة و أن لا تتقمّص موقف العفّة الطهرانيّة و العذريّة و البكارة الثوريّة كأنّ ذاكرة النّاس مثقوبة ، كلّ الصّراخ و العويل و اللطم و التطبير السياسي الذي يعبّر عنه هذا الخطاب هو من قبيل كربلائيّات أهل الكوفة الذين خذلوا ثورة الحسين ثمّ انخرطوا في استثمار رأسمال الضحيّة و توجيه أصابع الاتّهام لقتلته الذين كانوا عونا لهم عليه.

يوما ما سيخفّ ضجيج خطاب الانفعال و التشنّج الاصطفافي وسيدوّن تاريخ تونس ما بعد الثّورة و سيكتب صفحات عن رصيد كلّ طرف في بناء أو تخريب هذا المسار الذي أنفقت فيه فئات واسعة من الشعب عقودا من الصّبر و التّضحيات والنضالات و الشّهداء.