القائمة

تونس الآن

تونس الآن

الذي يفهم في كل شيء لا يفهم أي شيء، واقتصر طريقك بالتخصص

الذي يفهم في كل شيء لا يفهم أي شيء، واقتصر طريقك بالتخصص

محمد الشبراوي

كاتب مصري مختص بعلوم اللغة العربية

لكل مجال في الحياة مهرة به وحذاق، هؤلاء يعرفون من أين تؤكل الكتف. عندما تطلب لونًا من المعرفة يأخذ الخبراء بيدك، ويختصرون لك المسافات الطويلة، ويضعون بين يديك خريطة الطريق المناسبة. الخبير يدعم فكرتك ويسدد رميك ويرفع من ثقتك بهدفك، ويضعك على الطريق الصحيح الذي ترجوه.

من ذلك ما كان من الفرزدق مع شابٍ يتلمس طريق الشعر! فقد ذكر صاحب الأغاني نقلًا عن النوفلي أن الكميت كتب أول ما كتب من الشعر (الهاشميات) فسترها عن الناس، وأتى الفرزدق بن غالب؛ فقال له: يا أبا فراس! إنك شيخ مضر وشاعرها، وأنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسدي، قال الفرزدق: صدقت، أنت ابن أخي، فما حاجتك؟ قال: نفث على لساني، فقلت شعرًا، فأحببت أن أعرضه عليك؛ فإن كان حسنًا أمرتني بإذاعته، وإن كان قبيحًا أمرتني بستره، وكنت أول من ستره علي. قال الفرزدق: أما عقلك فحسن، وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك؛ فأنشدني ما قلت، فأنشده. سمع الفرزدق شعر الكميت، ثم قال له: يا ابن أخي! أذع ثم أذع؛ فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي.

لعلَّك تلحظ تردد الكميت في إذاعة شعره على الناس، ولولا أنه استوثق من جودته برأي الفرزدق، لما ظهرت الهاشميات، والتي هي أول شعر الكميت وأجوده. الرجوع إلى الخبراء في كل فن سمة الناجحين؛ فقد ضاع العلم بين الكبر والحياء، فتجد الشخص يستحي أن يسأل عما لا يعلم، أو يستكبر أن يستشير أهل التخصص، والنتيجة الحتمية أن يظل في دائرة الجهل. المعرفة بناء لم يكتمل بناؤه بعد، ولم ينفرد به أحد على وجه الأرض، وفوق كل ذي علمٍ عليم؛ فلا تتردد أن تجلس بين أيدي الخبراء وتتعلم منهم.

من السهل جدًا أن ترى كل من حولك موسوعيين. هذه حقيقة مؤسفة بكل المقاييس، قد يطرب المرء لوجوده في بيئةٍ من ذوي الثقافات الموسوعية، إلا أن باعث الأسف هنا أن هذه الموسوعية ترتبط بوجود "شبكة الواي فاي"؛ فإذا انقطع الاتصال بالإنترنت رأيتهم وقد أُلجموا بلجامٍ من حديد. هؤلاء ليسوا بأهل ثقافة، وإنما متثاقفون ومتفيقهون. ابحث عن أهل الخبرة واستفد منهم، ولا يخدعك كل ناعق أمسك جواله وأجرى أبحاثه اللحظية على الشبكة العنكبوتية، ثم تحدث بثقة أهل العلم المحققين.

هناك من نستأنس بالحديث إليهم، لأننا نثق في خبرتهم في مجالٍ ما، وندرك أنهم أفنوا عمرهم في هذا المجال، وعلينا أن نستفيد منهم في هذا الإطار، وألا نعمِّم خبرتهم، لتكون خبرة تمتد إلى كل مناحي الحياة. الشخص الخبير في مجاله بمثابة كنز لنا، وعلينا أن نحسن التعامل مع الكنوز، وألا نخلط الغث

بالسمين. التفرقة بين الخبراء وأدعياء الخبرة صعبة، لكنها ليست مستحيلة؛ فقد يضيع سعيك، لأنك طرقت باب الأدعياء وتركت باب أهل التخصص الحقيقيين. كان تشارلز ليندبرغ بارعًا في سلاح الطيران الأميركي، وأول من عبر الأطلسي بطائرة، لكن خلطه الأوراق السياسية قضى على تاريخه سريعًا.
الأدعياء أصحاب صوتٍ عالٍ، في حين يكتفي الخبراء بإثبات قدراتهم على أرض الواقع، وفي المثل الشعبي "اللي بيعمل مبيقولش" ما يدلك على أن العقلاء لا يحتاجون طبلًا ولا زمرًا للإشارة لإنجازاتهم، وهذا ما يضع أيدينا على سبب تصدُّر الأدعياء أماكن ليسوا لها بأهل. لا تكن ممن هم في ريبهم يترددون، واستعن بالخبراء لتحقق نجاحًا ملموسًا في عملك، وثق أن الذي يفهم في كل شيء لا يفهم أي شيء على الإطلاق، واقتصر طريقك بالتخصص.