تونس الآن

تونس الآن

تعز من التهميش إلى الاستهداف .. هدم المعالم التاريخية نموذجا

تعز من التهميش إلى الاستهداف .. هدم المعالم التاريخية نموذجا

خالد عقلان

محلل سياسي يمني

كانت تعز بشكل عام والمخا بشكل خاص تمثل واجهة تاريخية ومنارة ثقافية وعلمية  واقتصادية عبر التاريخ وتذكر كتب التاريخ أن النشاط التجاري في المخا بدأ منذ  أن عرف الانسان ركوب البحار، وكان للمخا أهمية  اقتصادية واستراتيجية  كبرى عبر العصور التاريخية  فقد كانت المنفذ الذي عرف منه العالم القهوة ، وكان الغزو البرتغالي للسواحل اليمنية الغربية على موعد آخر من تاريخ جديد للتعريف بالمخا وشهرته عندما تعرفوا على القهوة اليمنية والبن اليمني فكان فاتحة للتجارة الأوروبية مع البن اليمني. ومن بعد ذلك التاريخ بدأ يعرف المخا بميناء "موكا". توالى الأوروبيون للتعرف على مصدر البن اليمني وأبحروا إلى المخا وعقدوا أول صفقة تجارية للبن اليمني في المخا تلك التي اشتراها الهولنديون عام 1628، واستمروا في استيراده إلى مراكزهم التجارية في شمال غربي الهند وبلاد فارس ومن ثم إلى هولندا التي بدأت تبيع البن اليمني لأول مرة في عام 1661.

وبالمناسبة  فالأتراك على سبيل المثال احتفلوا قبل حوالي عامين بمناسبة مرور خمسمائة عام لوصول القهوة اليمنية  إلى تركيا, وللقهوة اليمنية مكانة خاصة عند الاتراك ويعد شرب القهوة من أهم الطقوس التي تعزز الصداقة فالمثل التركي المشهور يقول:" إن الصديق الذي يكرمك بكأس من القهوة يبقى في الذاكرة أربعين عاما"

وتذكر بعض المصادر التاريخية أن النشاط  التجاري لمدينة المخا كان ثلاثة أضعاف النشاط التجاري في مدينة جدة وذلك قبل قرنين.

من خلال  هذه المقدمة البسيطة ندخل لموضوعنا الخطير والذي نلفت فيه الانتباه لما تعرضت  له المخا طيلة فترة حكم صالح من التهميش والإهمال وتحويل الميناء الأشهر عالميا إلى بؤرة لتهريب الممنوعات والمخدرات والاتجار بالبشر, وما تتعرض له اليوم من تجريف كامل وتشويه يعتبر جريمة حرب كبرى تستهدف تاريخ هذه المدينة وذلك من خلال هدم المعالم التاريخية التي يعود بناؤها لأكثر من ألف عام فقد أقدمت مليشيات سلفية تتبع المدعو  عبدالرحمن اللحجي  السلفي المدخلي  فور وصولهم الي مدينة المخا بهدم وتدمير ضريح الشاذلي والذي يرجع الي الشيخ العلامة الاشعري الصوفي الشهير أبو الحسن عمر الشاذلي

وجامع الشيخ " الشاذلي " وضريحه: يعد من أهم المعالم الأثرية في مدينة المَخا، وينسب إلى الشيخ أبو الحسن " علي بن عمر بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد دعسين القرشي الصوفي الشاذلي " وهو أحد مشائخ الطريقة الشاذلية في اليمن خلال القرنيين (الثامن والتاسع من الهجرة)،

وقد ترجم له المؤرخ " الشرجي " في كتابه " طبقات الخواص " ص 233 بقوله: (وقد كان له مكارم وفضائل يعين الفقراء والوافدين بماله وجاهه، وكان له زاوية يشتغل بالعلم ويتوافدون إليه طلابه وأصحابه توفى عام (821 هجرية)، قبره في مدينة المَخا مقصود للزيارة)

 وفي عام (1399 هجرية) تم إعادة ترميمه وتوسيعه مع رفع الأسقف بواسطة أعمدة خشبية، ويحتوي المسجد على عدد تسعة قباب متراصة على هيئة ثلاثة صفوف، ولم يبق من المعالم الأثرية للمسجد سوى بعض الزخارف النباتية والهندسية بطريقة الحفر البارز على السقف الخشبي في بيت الصلاة، وكذلك بقايا المئذنة في الناحية الجنوبية الغربية من المسجد,  ويلاصق المسجد في الناحية الجنوبية "ضريح الشيخ الشاذلي" وهو عبارة عن بناء مربع الشكل من الحجارة والطوب المحروق وتغطي السقف قبة ذات مقرنصات ترتكز على حنايا ركنية مصمتة وتضم القبة إلى جانب قبر " الشاذلي " عدداً من القبور ترتفع عن مستوى الأرض بمقدار( 80 سم) على هيئة مصاطب مبنية بالحجارة والقضاض .

  ثم قامت  هذه المليشيات المتطرفة التابعة  لجهات خارجية لها أجندة مشبوهة في اليمن بهدم ضريح يعود للولي الصديق في حارة الشاذلي  يبعد  عن  ضريح الشاذلي  500متر فقط من الجهة الجنوبية ..

وفي ذات الوقت هدمت تلك المليشيات ضريح السيد حاتم العلوم - مستخدمة الجرافات والمعدات الثقيلة-   وهو يقع بالقرب من السوق المركزي لمدينة المخا ويمثل هذا الضريح أهمية تاريخية ودينية كبرة لأنه كان يحتوى على كتب تاريخية ومخطوطات ولا ندري عن  مصيرها بعد تعرض الضريح للهدم .. ثم بعد ذلك أقدمت المليشيات ذاتها على  تدمير ضريح العلامة  العمودي في حارة العمودي شمال مدينة المخا وعلي مقربة من كورنيش المخا .. ثم توغلت تلك المليشيات لتصل  الي قريتي الغرافي والثوباني شرق المخا وأقدمت على هدم  ضريح البرساني  في ظاهرة تمثل استفزاز كبير لمشاعر الناس الدينية وخرق لكل الاعراف والقوانين وعدوان صارخ  على التراث الانساني  والتاريخي لليمن.

ومما يجد الاشارة إليه في هذا السياق  أن متطرفين سلفيين تابعين لكتائب أبو العباس أقدمت في العام الماضي على تفجير  ضريح الشيخ الصوفي عبد الهادي السودي في وسط مدينة تعز بحجة "محاربة الشركيات" ويعد العلامة السودي من أهم الشخصيات العلمية والأدبية في زمانه ويتميز السودي بشهرته الواسعة في اليمن في فترة بداية ظهور الدولة الطاهرية التي قامت في الفترة من 855 - 923 هـ/ 1451- 1517م،

يعود عُمْر الضريح إلى 600 عام، وتعتبر قبة الجامع من أكبر القباب في اليمن، وإحدى أجمل المعالم الدينية في تعز القديمة، وتزخر بالنقوش والزخارف. وكانت عناصر متطرفة قامت في أيلول/سبتمبر 2015 بالعبث والتخريب في الضريح وتهديم أجزاء منه، كما قامت بسرقة الأخشاب والمنحوتات والزخارف الأثرية فيه.

وللسودي ديوانان شعريان، جُمعا بواسطة تلاميذه: "بلبل الأفراح" وهو بالفصحى،  و"نسيمات السحر ونفحات الزهر" الذي كُتبت قصائده بالفصحى غير المعربة القريبة من لهجة الغالبية العظمى من اليمنيين.

والسؤال الخطير هنا كيف يسمح  لهذه المليشيات المتطرفة بإكمال المشور التدميري للمخلوع صالح  في تهميش وتدمير تعز أرض وتاريخا وحضارة وإنسانا .. هذا  السؤال يجب أن يوجه لمن يقف خلف هذه المليشيات التي تستهدف الهوية التاريخية والحضارية وتمارس نفس سلوك داعش في استهداف التراث الانساني ..

وفي الأخير نوجه نداء لمنظمة اليونسكو المعنية بالحفاظ على التراث الانساني بضرورة القيام بما يلزم ، وندعو التحالف العربي لتحمل مسؤولياتة الاخلاقية ومحاسبة وضبط هذه المليشيات  وتقديم  من يقف خلف هذه الممارسات الخطيرة للمساءلة القانونية كون هذه الممارسات تمثل  تهديدا كبيرا  للتراث الانساني وتخلق صراعا طائفيا مذهبيا باستهداف المعالم والمزارات التي تتبع رموز الصوفية في تعز وغيرها من المحافظات اليمنية كما حصل في حضرموت من استهداف ممنهج لكثير من الأضرحة  والمزارات الصوفية ولا يتسع المقام لذكرها الآن ويمكن أن نتناولها في مقالة منفردة .

المصدر: منصة نيوز