القائمة

تونس الآن

تونس الآن

تونس للإمارات: نحن الدولة.. من أنتم ؟ 

تونس للإمارات: نحن الدولة.. من أنتم ؟ 

نور الدين الختروشي

محلل سياسي تونسي

في زحمة اليوميات وروتين الحدثي فقدت السياسة في تونس الجديدة جاذبيتها وألقها ، وهجر الجمهور فضاءات السجال السياسي ، وكانت ومازالت كل نتائج سبر الاراء تؤكد على حقيقة ضجر الشارع من السياسة والسياسيين ، فجأة وبدون مقدمات عادت تونس الشارع وتونس الصالونات لتلتحم في مربع السياسة بعد ان منعت الامارتية للنقل الجوي النساء التونسيات من السفر على خطوطها .

استعادت على خلفية هذا " الاعتداء الخارجي " السياسة ألقها واستعاد السجال السياسي نشاطه و حيوته وجدل حضوره بين الافقي والعمودي في لحظة التحام تاريخي تحيل على الوظيفة التاريخية للحرب في أحياء السياسة . فزمن الحروب هو دائما زمن السياسة اذا عرفناها بالأدنى وهو الاهتمام بالشأن العام.

تلقى التونسيون قرار شركة الطيران الاماراتية على انه اعلان حرب مجاني على بلدهم ، باعتبار وحسبان حجم العنف الرمزي الذي لحقهم من وراء هذا القرار المهين لشرف نساءهم وكرامتهم الوطنية. 

كان هذا الاعتداء هدية قدر ليمتحن التونسيون عمق انتماءهم الوطني على قاعدة عقدهم الدستوري الجديد . 

ماذا تريد منا الامارات ؟

الاجابة الاكثر تداولا تتمحور حول ارادتها المعلنة التي أثبتها انقلاب السيسي في اجهاض ربيع الثورات العربية واستئصال الاسلاميين من الفضاء العام.

يتذكر التونسيون ان أول مؤشر على حجم التدخل الاماراتي في شؤونهم الداخلية بعد الثورة ، كان من خلال دعمها المعلن للقطب الذي تشكل خلال اعتصام باردو الشهير والذي دعا فيه منظموه الى سحل رموز حكومة الترويكا في الشوارع وتدخل الجيش للانقلاب على الديمقراطية والمسار السياسي الذي افرزته الثورة يومها . كانت أموال الامارات تتطاير مع ريح دموي صرصر على سماء الخضراء منذرة بعاصفة دم تُلحق تونس بمآلات الفوضى والتحارب الاهلي للحالة الثورية في المحيط العربي. 

لقاء باريس الشهير بين قايد السبسي والغنوشي كان اعلان نهاية لاستراتجيات المباراة بالدم التي خططت لها غرف التآمر في الداخل والخارج لاجهاض منجز 14 جانفي.

كانت الغرفة الاماراتية يومها غرفة من جملة غرف اخرى اقليمية تعمل على نفس الاجندة. ودون السقوط في التفسير التآمري للاحداث وفوبيا المؤامرة نؤكد على حقيقة الاختراقات الخارجية الممنهجه التي استغلت حالة وطنية بينية هائجة لتجند الاقصى من المتضررين من تونس الجديدة . رياح الحرية والكرامة التي هبت على تونس انتقل عبقها على محيطها العربي ، فسقطت أنظمة ، واهتزت عروشا ، وتردد شعار " الشعب يريد" من صنعاء الى طرابلس مرورا بدمشق والقاهرة ليؤشر على أن " الحاصل تونسيا " هو نفسه المطلوب عربيا . فتقاطع الحلم مع الارادة لينبجس التاريخ على جثة قدر الاستبداد ، وبدى كأن العربي فك تميمة الاستعباد السياسي التي كتبها سحرة فرعون ذات زمن بعيد. 

تداعت أنظمة الريع النفطي على مائدة سؤال مصيرها ، وذلك على خلفية قناعة مفزعة مفادها ان في تعميم الديمقراطية نهايتها ، فنشّّطت كل مقدراتها لاجهاض الثورات ، وشجعها نجاحها الكامل في مصر ، ونجاحها الاساسي في اليمن وسوريا وليبيا ، لاستنساخ ما " أقترفته " في تونس.

وقع "الشيخان" في باريس ميثاق تحصين التجربة التونسية من ممكن الانفتاح على الانقلابات والتحارب والفوضى ، ثم كانت ضربة الفأس على رأس الطامحين لاجهاض التجربة في الداخل والخارج ، بتوافق حزبي النداء والنهضة على تشكيل ائتلاف حكومي وضع كل استراتجيات التحكم في مآل التجربة التونسية في التسلل المهين.

ضمن مسار تداعيات فشل الامارات و من كان من وراءها ، ومن كان معها في الداخل والخارج ، يمكن قراءة وتحليل الازمة الاماراتية - التونسية بعد اتخذت الامارات قرارها الاهبل بمنع نساء تونس من السفر اليها. 

ردة فعل التونسيين لم تتجاوز الافتراضي لمدة يومين ، حتى جاء القرار الرسمي بمنع الاماراتية من التحليق في الاجواء التونسية والمطالبة الرسمية باعتذار علني كتتويج لحملة عفوية وجامعه ضد الاعتداء الاماراتي على كرامة التونسيين.

الرد بدأ من شبكات التواصل الاجتماعي ، وليس صدفة ان يحسم التونسيون معاركهم الكبرى على خط التماس بين الافتراضي والواقعي فثورتهم كانت في أيامها كلها تبادل للادوار والمواقع بين الرقمي والمحسوس وقد أثبت التونسيون قدره عجيبه على سرعة الاندماج في لحظتهم الكونية والتي هي " لحظة التواصل بأمتياز " او لحظة ولادة الانسان التواصلي على ما أكد هابرماز.

لم ينتبه الاماراتيون الى تسارع نسق إعادة صياغة " الشخصية التونسية" على مدفأ الحرية ، والى عمق التحول في الذي انجزته ثورتنا في مسار صهر علاقة الانسان بالارض لينعكس على مسار تماهي المواطن في الدولة.

ولم ينتبه عقل "ما قبل الدولة " في أبوضبي الى ان معركتهم مع الحرية في تونس ستكون معركة مع الدولة وليست معركة مع الاسلاميين ، فالاسلاميون في تونس كغيرهم من مكونات الخارطة السياسية أنقذتهم الثورة من أخاديد قدر القمع والاستبداد ، وأدرجتهم بعنف ناعم وقسوة خجولة في مسار القبول بالحرية لا كحاجة ، بل كضرورة ، أو كشرط وجود رمزي وجسدي.

لم يتبه القرار الاماراتي الارعن الى ان الحرية في تونس هي التي صنعت السياسة. 

فهم وفهم جيدا الفاعلون في الفضاء السياسي الوطني المقدمة التي تؤكد على ان وجودهم في خارطة لعبة الحكم والسلطة مشروط بالتسليم للحرية أولا ، وقبولهم بأن يقتصر دورهم في البحث عن الاسلم والانجع لإدارة الحرية.

غاب على الامارتيين الانتباه الى ان منطقة المغرب الكبير لن تكون مجال نفوذ للامارات و"ممالك فتية" لم تتعلم أصول ثقافة الدولة فضلا عن ثقافة الامتداد الامبراطوري ، لمجرد انها تحولت في العقد الاخير مصب آسن لفائض إمبريالية مالية جديده فوضوية في فلسفتها ومتوحشة في توسعها ومنزعها التأميمي للموجود الكوني . حكام أبوضبي او عيال الدولة لم يستسيغوا ان تحطم تونس الجديده قناعتهم ان من يملك المال لا ينهزم.

من حسن حظ التونسيين ان "أبناء العم" في أبو ضبي أغدقوا أموالهم ب"عقل الخيمة" وصوت الامير " أعطه يا غلام الف دينار ومائة ناقة " فأغدقوا على من اختاروهم من يتامى الثورة دولارا واستبدلوا الناقة kia وخيل اليهم ان عصاهم او افعى حلمهم الطفولي تكفي ليتحولوا من حكام برتبة أعيان في خيمة القبيلة ، الى الى حكام برتبة امبراطور.

غباء ورعونة القرار الاماراتي كان كله بركة على تونس الجديدة ، فقد أحرق الامارتيون آخر سفنهم ورفعوا الغطاء عن بقايا أزلامهم أمام الرأي العام وعزلتهم عرايا أمام مصير سياسي مجهول ، وادانة اخلاقية جامعه للبائعين لذممهم للمال الاماراتي. 

أبو ظبي بطموحها في وأد التجربة ولعب دور اقليمي فاعل في شمال افريقية هي التي أدبتها تونس وأرسلتها الى سحيق علها تتعلم فن ادارة العلاقات مع الدول ، واستراتجيات التأثير في المحيط والعالم... كل المؤشرات تدل على ان الامارتيين لن يتعلموا بالسرعه المطلوبه...