القائمة

تونس الآن

تونس الآن

خلفيات مسيرة المساواة

خلفيات مسيرة المساواة

جمال بوعجاجة

أستاذ جامعي ودكتور في الحضارة العربية الإسلامية

1-من أخطر الممارسات التي تهدّد الامن الاجتماعي فترتقي إلى مرتبة الارهاب النفسي والتكفير الديني هي تصدير الترف الفكري بين النخب والجدل الاكاديمي الشائك إلى الشارع ودفع الناس إلى تغيير أحكام دينهم بقوة التظاهر و الانتشار الاعلامي.

2-وتكمن خطورة هذه الممارسة التي انخرط فيها أعلى هرم في السلطة في عدم استشارة فقهاء الشريعة والقانون واستباق شرط توسيع دائرة النقاش في الفضاءات العلمية والاكاديمية المناسبة إلى الاستقواء على الشرع بالشارع و استبدال الاستشارة العلمية بالاثارة الفرجوية والاستعراضية.

3- ويمكن حصر خلفيات هذا السلوك الاستفزازي للمنظومة القيمية التي استقرّ عليها المجتمع التونسي طيلة قرون في نقاط أهمها: 

- المسارعة بالاستقطاب الايديولوجي لغايات انتخابية تقتضي الاصطفاف على خلفية الفرز المجتمعي انتماء إلى مشروع الحداثة المشروخة أو الهويّة المجروحة .
-السعي إلى الانقلاب على منظومة الاسرة التشريعية ذات الخلفية الاسلامية لاستبدالها بمنظومة غربية هجينة و مسقطة على بيئة تونسية محافظة رغم إصابتها ببعض الاختراقات الليبرالية المشوهة.
- إرضاء الدوائر الغربية والخليجية للحصول على تمويلات هائلة مقابل إضعاف الانتماء الديني لتجفيف منابع الاصطفاف الهووي الذي يمثل رافدا أساسيا للحركة الاسلامية .

4-إن العمل على تغيير منظومة الاسرة التونسية بالقوة يعني أيضا الاقرار بتاريخية الاحكام الاسلامية باعتبارها تشريعات مغلقة استنفذت راهنيتها ولابد من استبعادها من ساحة التأثير والتنزيل.

5-يستهدف التشكيك في صلوحية آيات المواريث اليوم إلى الغاء الاحكام القطعية والثابتة لتحويلها كلها إلى آيات متشابهة تمهيدا لاسقاطها من المنظومة التشريعية مطلقا.

6- في تمييع القضايا الفكرية الدقيقة و تمليكها للشارع بتوجيه النخبة العلمانية فكريا وإعلاميا محاولة لاقصاء دور علماء الزيتونة والائمة الخطباء وفقهاء الشريعة والقانون نهائيا لتحويلهم إلى تراث فلكلوري يستنجد به في المواسم لتزيين المحافل الرسمية والدولية.

7-إن الصراع الايديولوجي ليس طارئا على المشهد التونسي اليوم لكنه بلغ درجات من الاستدراج والاستفزاز بقدر ما يحرج الخصوم السياسيين يقدم لهم هدايا مجانية انتخابيا كما أثبتت التجارب السابقة ويعيد المجتمع إلى مربعات صراع الهوية.

8- تغطي إثارة القضايا الهامشية اليوم على فشل النخبة الحاكمة وعجزها عن الاستجابة لوعودها الانتخابية في تحقيق هيبة الدولة وتوفير الامن ومقاومة الارهاب بتحويل وجهة الاهتمام نحو العبث بأحكام القرآن الكريم ومكتسبات الشعب التشريعية .

9- تبدو نازلة الميراث وجدل المساواة اليوم منحة ربانية لاستعادة الوعي الديني لدى الشعب بعد تخويفه بشبهة الارهاب. فقد تبين أن عداء النخبة العلمانية المتطرفة ليس موجها نحو السلفية أو حركة النهضة أساسا بل هو عداء للدين وللقرآن وللاسلام أصلا وهو ماتثبته الشعارات اللادينية المرفوعة خلال مسيرة المساواة تلميحا أو تصريحا.

ومن يلتجئ إلى الشارع لاستعراض عضلاته الحداثية عليه أن يرضى بنتائج الصندوق حين يختار الشعب مشروعه الاجتماعي المنشود كما يريده هو لا كما يفرض عليه وذلك من خلال اختيار إدارة تسيير مؤسسات الحوكمة المحلية والمركزية.