القائمة

تونس الآن

تونس الآن

دحلانيات تونسية

دحلانيات تونسية

وليد أحمد الفرشيشي

صحفي تونسي

سارع كلّ من ياسين إبراهيم، رئيس حزب آفاق، وعبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، إلى نفي ما تردّد مؤخّرا حول لقائهما بمحمد دحلان، رجل الإمارات العربية المتحدة في منطقة بلدان الربيع العربي وأحد أهم مهندسيها في حربها على فروع الإخوان. وإذا كان الأوّل ادّعى، في توضيح نشره مكتبه الإعلامي، أنّ مهدي الرباعي، القيادي بحزب آفاق، فهم خطأ السؤال الذي طرحته عليه الزميلة “الصباح“، فإنّ الثانية اختصرت المسافة واتهمت النهضة باعتماد سياسة “التشويه الممنهج“.

هذا التبرّؤ العلني من اقامة علاقة بمستشار الظلّ لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، ومهندس المؤامرات الكبرى في عدد من الدول العربية بدءا بوطنه الأمّ فلسطين، باعتباره المخلب الذي تسعى به الإمارات إلى اجتثاث الحركات الإسلامية، المرتبطة عادة بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ترك محسن مرزوق، أمين عام حركة مشروع تونس وصديق دحلان المقرّب، وحيدًا في العراء، خاصّة أنّ العلاقة بين الرّجلين كادت أن تثمرَ قبيل انتخابات 2014 لولا اختيار الباجي قائد السبسي، رئيس الجمهورية، التحالف مع النهضة، شريكه الحالي في الحكم، ممّا ألّب حكام الإمارات على تونس.

إلاّ أنّ هذا النفي، من جهة أخرى، لا يبرّئ تماما ساحة ياسين إبراهيم وعبير موسي، خاصة إذا علمنا، أن عادة “التملّص” من مثل هذه اللقاءات المشبوهة هي عادة تونسية صميمة سرعان ما تتدلّى ثمارها عند الأزمات الكبرى…

نفي بمذاق الكذبة…!

وفي واقع الأمر، لا يوجد عاقل واحد بإمكانه أن يصدّق التوضيح الصادر عن حركة آفاق، وتحديدا ما قيل حول “عدم فهم السؤال” من طرف مهدي الرباعي، القيادي في هذا الحزب. ذلك أنّه في ردّه عن سؤال الزميلة “الصباح” وهو سؤال أوضح من شمس شهر أوت، إنّ “اللقاء كان لقاء طبيعيا وعاديا، حيث التقيناه كما التقته أطراف سياسية أخرى وهو ما يندرجُ ضمن ديبلوماسية الحزب“.

ولا نعتقد البتّة أن “طيّار” حزب آفاق، وهي مهنة مهدي الرباعي، فهم السؤال خطأ وإلاّ لما تحدّث عن “الأطراف السياسية الأخرى“، والتي نعرف منها حركة مشروع تونس على الأقلّ، ولا عن “ديبلوماسية الحزب“، التي تميطُ اللثام عن أسباب خروج آفاق من حكومة الوحدة الوطنية وإعلان رئيسه السافر عداءه لحركة “النهضة“، مقدّما مشروعا “متمايزًا” هو في النهاية قطعة الجبن التي جلبت دحلان ووراءه أجندة الإمارات وأموالها.

ونفي هذه القيادات السياسية وقوع أيّ لقاء مع دحلان واجهه النائب وليد جلاّد لدى استضافته في الحوار التونسي حين قال: ” بربي دعوة لمحمد دحلان…خليّك في القضية الفلسطينية…وسيّبها تونس..”. وللتذكير فقط فإنّ وليد جلاّد، النائب المنشقّ عن كتلة حركة مشروع تونس، كان قد فجّر قنبلة من العيار الثقيل حين كشف أنّ محسن مرزوق وسليم الرياحي التقيا محمد دحلان في صربيا وهو ما يعزّز صدقية ما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 9 أكتوبر 2017، حول علاقة محمد دحلان بعدد من القيادات السياسية والأمنية التونسية على غرار محسن مرزوق ورفيق الشلّي.

مبتدأ الشرر…

وللأمانة، فإنّ صحيفة “القدس العربي” كانت أوّل من نشر أنباء “الزيارة السرية” لمحمد دحلان إلى تونس التي برمج فيها مجموعة من اللقاءات مع قيادات سياسية تونسية على غرار “صديقه الحميم” محسن مرزوق، وياسين إبراهيم وعبير موسي. لقاءات أكدها تصريح مهدي الرباعي المذكور ونفاها ياسين إبراهيم وعبير موسي، دون أن يصدر في المقابل أيّ نفي من طرف محسن مرزوق وحركته، حركة مشروع تونس.

فهل هذا النفي يعتبر إقرارًا ضمنيّا بخطورة هذا الرّجل الذي يعتبرُ ضمنيا عرّاب الثورات المضادة والمقلاع السريّ لحكام الامارات في استهداف الحركات الإسلامية في المنطقة؟ لا يمكن تفسير الأمرُ، للأمانة، إلا من هذه الزاوية إذا سلّمنا جدلاً بعدم وقوع هذه اللقاءات، وهو ما يحيلنا ضمنيا إلى سؤال آخر: ما الذي جعل من هذه الأحزاب، أحزابا “محسوبة على الإمارات“؟

ففي حالة محسن مرزوق، تبدو الأمور أكثر من واضحة، باعتبار أنّ الرجل قبل انتخابات 2014، لم يكن يخفي عداءه لحركة النهضة باعتباره ممثلا لحزب يطرح مشروعا مجتمعيا مغايرًا، وهو ما يتوافق ورؤية حكام الإمارات الساعين إلى التدخل في ما يعتقدون أنها “المزارع الخلفية” لإمارة قطر وتركيا اللتين موّلتا بلا حساب الحركات الإسلامية الصاعدة إلى الحكم في إطار ما يعرف بالرّبيع العربي. وهذه العلاقة بين دحلان، الحامل أيضا لجواز سفر صربي، باعتباره علاقاته الواسعة بمافيات ومرتزقة جمهوريات يوغسلافيا السابقة، ومحسن مرزوق، شهدت فتورًا بعد تحالف الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي، قبل أن تستأنف بعد خروج مرزوق من البيت الرئاسي ومن ثمة من حزب نداء تونس، باعتباره قائد القاطرة في مشروع اجتثاث حركة النهضة. وهنا تؤكد صحيفة “لوموند” في تقريرها أن الامارات، عبر محمد دحلان، ترتبط بعلاقات وثيقة برموز النظام السابق في تونس وقيادات اليسار الراديكالي المعارضين للنهضة، وذكرت بالاسم محسن مرزوق ورفيق الشلي، كاتب الدولة للأمن سابقا في حكومة الحبيب الصيد، قبل أن يضيف وليد جلاّد، النائب المنشق عن كتلة مشروع تونس، اسم “سليم الرياحي“، حين ذكر لقاءات مرزوق السرية بدحلان في…صربيا !

أما في ما يتعلّق بياسين إبراهيم وعبير موسي، ورغم عدم  وجود اثبات مادّي لأيّ لقاء مع دحلان، باستثناء التصريح “الواضح” للقيادي بـ “آفاق” مهدي الرباعي، فإنّ الدوافع سياسية ليست بعبثية ، إذ أن الأول مثلاً، اختار الخروج من منظومة الحكم، رغم معارضة عدد من كبار قياديي الحزب، واختار أن يعلن الحرب لا على الحكومة وإنما على حركة النهضة، في حين تتموقع الثانية في خندق المعارضة الشرسة لحركة النهضة التي رفعت بها قضيّة في ما يخصّ التمويلات القطرية.

وإذا كانت النهضة جامعة، إلى هذه الدرجة، بين هذه الأحزاب وأجندة الإمارات، فإنّ اثبات علاقات السياسيين التونسيين بالأجندات الخارجية، سواء كانت قطرية أو تركية أو فرنسية أو إماراتية أو غيرها، لم يعد خافيًا البتّة بل تحوّل الأمر إلى ما يشبهُ “سباق التسلّح” في انتظار موقعة سنة 2019.

ماذا يريد الإماراتيون من تونس…؟

وبعيدا عن هذه “الدحلانيات” التونسية، فإنّ الثابت في الأمر، أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة، لا ترغبُ فعلا في التزام حدودها واحترام مبدأ السيادة الوطنية للدول، وهي التي تدخلت بشكل سافر في مصر وموّلت الميلشيات في ليبيا بعد أن ساهمت في اغتيال العقيد معمر القذافي، وتقود حربا عبثية إلى جانب المملكة السعودية في اليمن، وتموّل المعارضة المسلحة في سوريا انتهاءً بالتآمر حتى على شركاء الأمس وتحديدا دولة قطر.

وهذا التدخّل السافر في شؤون الدول، ومن بينها تونس، لم تواجهه الديبلوماسية التونسية ممثلة في رئيس الجمهورية ووزير خارجيته سوى بالصمت، وهي مسألة تثير الاستغراب خاصّة إذا علمنا أن الدور الإماراتي يتجاوز التآمر إلى ما هو أخطر…وهنا سنكتفي بما أوردته “القدس العربي” في مقال لها منشور بتاريخ 17 نوفمبر 2017، حين ذكرت أن “أحد السياسيين التونسيين حذّر من تكرار سيناريو الاغتيالات التي أدّت إلى رحيل الترويكا في سنة 2013“..وهو اتهام لا نعتقدُ البتّة أنه سيخرجُ من دائرة “المحاذير” إلى دوائر “التحقيق“.

دحلانيات تونسية | تونس الآن

خطأ

واجه الموقع خطأ غير متوقع. يرجى المحاولة في وقت لاحق.