تونس الآن

تونس الآن

لهذا حظيت حركة النهضة ورئيسها على مكانة خاصة من الاحترام عربيا وعالميا ولم تؤثر فيها الضربات القاسية التي تلقتها داخل تونس

لهذا حظيت حركة النهضة ورئيسها على مكانة خاصة من الاحترام عربيا وعالميا ولم تؤثر فيها الضربات القاسية التي تلقتها داخل تونس

منير شفيق

كاتب ومفكر فلسطيني

لو وضعنا ما أنجزته حركة النهضة حركة الاتجاه الإسلامي من السادس من حزيران (جوان) 1981 حتى الآن على الصعد الفقهية والنظرية والفكرية والثقافية والسياسية والعملية في كفة ميزان مقابل فسحة زمنية من عشرين عاما في الكفة الأخرى، سنجدها سابقت الزمن المذكور وتجاوزته في حجم عطائها وتأثيرها. فمازال ذلك البيان الشهير الذي أعلن تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي في تونس الشاهد الأول على دورها الريادي ليس على مستوى تونس والمغرب العربي فحسب وإنما أيضا على مستوى عربي وإسلامي عام. فقد كانت من السباقين في طرح برنامج سياسي تفصيلي تضمن فيما تضمن الدعوة إلى قبول التعدد والاحتكام إلى خيار الشعب ونبذ العنف وسيلة للوصول إلى السلطة وإعلاء قيم الحرية وحقوق الإنسان وكرامته.

وإذا كانت هذه المعاني قد أصبحت الآن بديهيات ومسلمات بالنسبة إلى الكثير من المفكرين الإسلاميين والحركات الإسلامية إلا أنها كانت يوم طرحتها حركة الاتجاه الإسلامي بمثل ذلك الوضوح والقوة، خروجا عن المألوف وتجديدا في الفكر السياسي الإسلامي. وقد توقف عنده الكثيرون وأيديهم على قلوبهم خوفا من أن يكون الطرح قد ذهب بعيدا حين أقر بحق تشكيل الأحزاب الأخرى بما في ذلك الحزب الشيوعي، ووضع قاعدة الاحتكام لخيار الشعب طريقا لشرعية الوصول إلى الحكم. فقد جاء في البيان التأسيسي "نحن لا نعارض البتة أن يقوم في البلاد أي اتجاه من الاتجاهات، ولا نعارض البتة قيام أي حركة سياسية، وإن اختلفت معنا اختلافا جذريا بما في ذلك الحزب الشيوعي. فنحن حين نقدم أطروحاتنا نقدمها ونحن نؤمن بأن الشعب هو الذي يرفعنا إلى السلطة ليس إلا" ودعت في بيان آخر لاحق إلى "الصمود ضد الاستدراج إلى العنف" والتزمت مبدأ الشورى نهجا للتعامل داخل الجماعة وبين أبناء الوطن الواحد. وقالت بالمشاركة في الانتخابات النيابية والنشاطات النقابية (حقائق حول حركة الاتجاه الإسلامي)، كما أسهمت حركة النهضة-حركة الاتجاه الإسلامي إسهاما رائدا كذلك من خلال كتابات رئيسها الشيخ راشد الغنوشي وأدبياتها المختلفة وممارساتها في المجالات المتعلقة بالقضايا الكبرى التي تشغل الأمة مثل قضية فلسطين والصراع ضد الصهيونية، أو مثل قضايا المرأة، والديمقراطية، وحرية الرأي، وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، والوحدة المغاربية والعربية والإسلامية، أو مثل قضايا الحوار الإسلامي-القومي وما أسفر عنه من تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي وقبله المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي أو مثل قضايا الحوار الإسلامي-المسيحي والإسلامي الغربي.

هنا يجب أن نسجل أن دور حركة النهضة وكتابات الشيخ راشد الغنوشي ومواقفه تجاوزا حدود تونس فأثرا تأثيرا إيجابيا بالغا في فكر الحركات الإسلامية والقومية العربية كما في مجمل نهضة الأمة على مستوى عام. ولهذا حظيت حركة النهضة ورئيسها على مكانة خاصة من الاحترام والحب من قبل المثقفين والنخب على مستوى عربي وعالمي. ولم تؤثر الضربات القاسية التي تلقتها داخل تونس في تلك المكانة أو في الدور الريادي، بل أدت تلك الضربات إلى زيادة التقدير لها بسبب ما تقدمه من تضحيات وما اتسمت به من صلابة وصمود دون أن ينجح في استدراجها إلى ممارسة العنف المضاد أو إلى الخنوع والتخاذل.... بكلمة، إنها مسيرة خيرة ومباركة وإن لم تفلت هنا وهناك من نواقص وسلبيات وأخطاء ...إلا أن هذه النواقص والسلبيات والأخطاء ليست الوجه الرئيسي قطعا.