تونس الآن

تونس الآن

من الذاكرة السجنية.. أختي بين الأحراش

من الذاكرة السجنية.. أختي بين الأحراش

شكيب درويش

إعلامي تونسي

بطلب من صديقي محمد القبلاوي 
أختي بين الأحراش

أرادني أن أكتب عن شقيقته واسمها عفيفة ، أن أعرض لمحنتها وتعبها وأن أنتصف لها وأن أنشر حكايتها وأن أعرّف الناس بمظلوميتها وأن أحدثهم عن نضالها وأن أطّلعهم على سجلات صبرها وأن تصير حكاية من حكايات الجدات والأمهات لأطفالهن . 
قلت له لقد حمّلتني فوق طاقتي ورجوته أن يريحني من هذه المؤنة والمشقة ، لكنه ظل يطاردني وبالغ في الإلحاح وأسرف ، و في لقاء جمعني به أبلغني فرمانه بأن ليس لي الخيرة من أمري وأنّ علي أن أكتب عن شقيقته " بالسيف " وأن أوفّها حقّها وصمودها بعد غبار السفر وشعث المسافات ورهق الحبوسات .

فلقد كانت الوحيدة التي تنقّلت معه إلى كلّ السجون وظلت تلاحق عربة الكونفات وقطعت البلاد طولا وعرضا ، تزوره وتمدّه بقفافها وحلوها ومالحها وتملء برلواره صمودا وتماسكا وكان يشمّ عليها رائحة الوالدة التي توفيت وإستودعته لديها وكان يكبرها سنا ، ولكنها كانت تكبره حنوّا وحدبا وخفضا للجناح وجلدا وحكمة وعقلا ...، ولقد وجد فيها الأمّ والأخت التي قلبت برلواره من ضيق إلى سعة ومن عتمة إلى ضياء بابتسامتها وتفاؤلها وبكلماتها التي تخترق حواجز وفولاذ البرلوار لتقع بقلبه عمارا وتنفخ في لحمه وعظمه وركبه وجلده ودمه الحياة وتفرغه من يأسه وإحباطه وتعبئه نشاطا وحركة فتنهضه من جديد ليخوض جولة جديدة ويقارع السجان من أجل كرامته وكرامة من معه ، والحبس للرجال والرجال معنويات وكلمات .

شكوت له عجز قلمي وقلّة حيلته ، لكنّه لم يهتم لذلك الأمر ولم يقتنع به ورأى فيه تملّصا وأكرهني على أن أعصر القلم حبرا من أجلها ومن أجل تكريمها ومن كتم معاناة أخته لجم بلجام من نار .
قلت وماذا سأكتب ؟ ، طلب لي فنجان قهوة ، فهو يعرف جيدا أنني خلقت من القهوة ، وأنّ كتابتي هي من بن وسكر وأحيانا قد أضيف لها دمعة أو دمعتين من ماء الزهر . 

قال أكتب عن مرقدها بين الأحراش بعد أن فوّت عليها السجان بسجن حربوب مواعيد وسائل النقل وأضمر تأخيرها حين الزيارة وتقصّد تسويفها، وكيف أعتمت الليلة وأظلمت فاهتدت بفطرتها وعفّتها وهيئت بأظافرها مفرشا بين الأشواك والأحراش وتمددت لتتوارى عن الأنظار وتحتجب عن عيون السجان والنظام حتى تدرك الخيط الأبيض من الخيط الأسود فتعود إلى الديار ، وكيف تحمّلت رقدة الأحراش وحراشة السجّان وتحرّش أعوانه . 
وهل سيحتفظ السجان والنظام بهذه الأحراش والشجيرات الشوكية والتي حسبها معه وظن أنّه نجح في تجنيدها فانقلبت عليه وصارت مرقدا ومفرشا لشقيقة سجين الإنتماء ؟ أم أنه سيقتلعها من عروقها وينكّل بها بعد أن أخفتها عن عيون السجان وخبأتها عن ذئاب النظام ، وقد يقرر عدم تكريمها في عيد الشجرة .

أرادني أن أكتب عنها كما يكتب عن شهيرات تونس أو عن الوليات الصالحات وكراماتهن وما ينسب لهن من بركات فشقيقته لا تقلّ عنهن في شيء ومن بركاتها وكراماتها أنّها لم تيأس ولم تنكسر وحرصت كلّ الحرص على أن تكون الأولى التي يراها حين مغادرته السجن فلزمت باب منطقة الشرطة تنتظر طلّته وسبقته بخطوات حين خروجه لتفتح له الطريق مثل " الكشاف " فتضيء له كعادتها الدروب والسبل في إتجاه الديار .

لكنني لم ارغب في الكتابة عن هذه النجمة التي تضيء والتي تشدّه من يده لتعود به إلى الديار ولم أحبّ الكتابة عن الولية الصالحة وعن كراماتها و لم أرد التطرّق للأحراش والتحرش ،
بل أردت الكتابة عن أنوثتها .... عن شيبتها ...... عن سن اليأس الذي أدركها .... عن عنوستها ...عن أحمر الشفاه الذي لم يعد يناسبها ...