تونس الآن

تونس الآن

هزيمة روسيا وإيران الشروط والاستراتيجية: المطاولة


هزيمة روسيا وإيران الشروط والاستراتيجية: المطاولة

أبو يعرب المرزوقي

كاتب ومفكر وفيلسوف عربي تونسي

لن أسأل عن هزيمة روسيا وإيران ومليشياتها في المشرق العربي هل هي ممكنة. إنها حتمية. مشكلي إذن لا يتعلق بالإمكان بل بالوجوب: نهاية روسيا وإيران حتمية.
لا أجهل أن الأولى ما تزال قوة نووية كبرى بفضل خردة الاتحاد السوفياتي. لكنها في نفس الوضع الذي أنهت به الأمة الامبراكورية الفارسية والبيزنطية. ولا أنكر أن الثانية تدعي حيازة قوة لا تقهر وتجيد استعمالها ضد نيام العرب وحمقى النخب. وهي ليست قوة ذاتية بل هي مؤلفة من عمالة بعض الانظمة العربية والمليشيات العربية بالقليم والسيف.
لا ينبغي أن تخدعنا المظاهر. روسيا التي أسهمت إلى حد كبير في القضاء على الخلافة العثمانية لما كانت الرجل المريض هي الآن رجل العصر المريض.
وما أريد بيانه هو كيف يمكن أنجاز هذه المهمة وما أجال الإنجاز؟ بخلاف ما قد يتبادر إلى اذهان الكثير لا اعتبر ما يحل بحلب نهاية بل هو بداية.
وقد أشرت إلى ذلك عديد المرات: فلا توجد ثورة تتخندق في مدينة لتصبح خاضعة لضغط حماية حاضنتها ومن ثم تفقد سر القوة المتمثلة في الصبر والتحمل.
فأي إنسان يتحمل ويصبر إذا كان هو معرضا للخطر لكنه لا يستطيع عندما تصبح أسرته وكل عزيز عليه معرضا للخطر: فالعدو ليس له أخلاق الفرسان ليحترم المدنيين.
والثوار إذا تعين مكانهم وكان ثابتا لن يقدروا على المناورة. ذلك أن سر الثورة والحرب الشعبية يعتمد على الحيزين المكاني والزماني: أين ومتى تضرب.
أما إذا كنت ثابتا في المكان فالعدو يعلم أين أنت ويختار متى يضربك. فيصبح التصرف في المكان والزمان بيده لا بيدك. لكن كلامي كان صيحة في واد.
من شروط نجاح الثورات الاستراتيجية العسكرية الاستراتيجية الدبلوماسية. والأولى شرطها السيطرة بسياسة المكان والزمان والخروج من المدن شرطها.
والثانية شرطها السيطرة على اختيار الاهداف واخراج العمليات إعلاميا. فإذا لم تنتخب الأهدف إعلاميا وصورة العملية خلقيا فأنت غبي دبلوماسيا.
واعتذر إن قلت إن المقاومة كانت غبية عسكريا ودبلوماسيا أعني أنها خسرت السيطرة على المكان والزمان والأهداف والصورة: وهذا دليل حمق استراتيجي.
ولم انتظر ما يحصل في حلب لأقول ذلك فقد كتبت الكثير في الموضوع ونصحت بتوسيع المكان وفتح ممر إلى البحر في لبنان ردا على كلاب إيران وبوتين.
كما طلبت عدم الاقتصار على أرض سوريا بل لا بد من ثورة في الهلال كله. الآن لا بد من تغيير الاستراتيجيا لأن إدلب هي محطة هجوم العدو الموالية.
لكن ذلك لا يكفي بل لا بد من تحريك كل الجمهوريات الإسلامية التي يحتلها الروس. فهي كلها تعيش نفس الاضطهاد ولا يمكن هزيمة روسيا من دون مساعدة هذه الشعوب التوابع في مقاومتها.
وطبعا لا ينتظر من الأنظمة الحاكمة أن تفعل ذلك فكلها “مزنوقة” بل لا بد من ترك الغرب جانبا والاكتفاء بروسيا وإيران. فهزيمتهما ليست ممكنة فحسب بل هي في المتناول فعلا ثم هي ضرورية.
وهذه مهمة شباب هذه البلاد وليست مهمة غيرهم. ذلك أنهم إذا تركوا روسيا تسيطرعلى الطاقة في العالم باحتلال الخليج فسيصبح استعبادهم أبديا.
وسنة العراق إلام سيبقون متفرجين على مهزلة المعركة بين عدوين داعش والحشد؟ ثورة سنية في العراق تتحد مع الثورة السنية في الشام لوحدة المصير.
أما الخليج الذي ما يزال معتمدا على وعود أمريكا وبريطانيا فقد يتكلم ساستهم على حل المشكل الإنساني في ه عندما يصبح في وضع سوريا والعراق.
أقول هذا لأن قيادات الخليج انتبهوا متأخرا جدا لأنهم قدموا الخوف من الثورة ومحاربتها على الخوف من أعدائهم الحقيقيين ففقدوا سند الشعوب العربية.
ما الذي يثبت أن روسيا هي رجل القرن المريض؟ لنسأل عما يمسك بها حاليا؟ أمران بقايا الكاجيبي والأرتوذوكسية. وهما الامر المشترك مع إيران.
بوتين كالخامنائي يحكم بما يشبه حرس الثورة والدين في شعب انهارت فيه الاشتراكية بسبب حلمه بالنموذج الأمريكي. كلاهما إذن دكتاتورية دينية.
صحيح أن الدين اقل بروزا في روسيا منه في إيران لكن المخابرات أكثر بروزا في روسيا.المخفي فيهما موجود وبقوة:اللعب على قومية مهزومة ودين محرف.
لعل الشباب لا يعلم أن روسيا منذ القرن الثامن عشر وهي تحاول أن تتأورب وتتغرب لكنها فشلت ولا تزال فاشلة. كلتاهما تحاول بعث الحياة في جثة.
ولما كانت الثروة الاساسية هي البترول والغاز وبعض خردة باقية من السوفيات -إيران ضفدعة منتفخة-فإن المآل في تنافس هذا القرن هوالافلأس الحتمي.
ومما سياعد عليه ثورة الجمهورية الإسلامية التابعة لبوتين والشعوب غير الفارسية في إيران. وكلتا الثورتين ينبغي ان تكون في آن وطنية بخطابها السياسي وإسلامية بقيمها الخلقية والروحية .
لكنهم عكسوا فجعلوا قيمها جاهلية وخطابها بدائي يدعي بناء دولة الإسلام بتهديم أهم أسسها أعني بناء الجماعة المتنوعة مذهبيا واثنيا والتي تبقى كما كانت دائما كنفدرالية شعوب حرة تتحد باختيارها من أجل الجميع.
وشرط نجاحنا في هذه الحرب الطويلة مضاعف: مهادنة الغرب والتركيز على روسيا وإيران ثم تجنب الازدواج في المعركة بين حرب التحرير والحرب الدينية.
فما أضعف الثورة السورية التي كانت حائزة على تعاطف عالمي هو سخافات الحركات التي انتلقت من حرب تحرير إلى حرب تبشير بالإسلام لتشويهه وتشويه الثورة.
لما سمعت زعيم النصرة -التي غيرت إسمها بعد فوات الفوت-علمت أن الرجل لا يفقه شيئا في معنى الحروب الشعبية فضلا عن معنى المراحل في المطالب.
وكتبت حينها أن الرجل سيؤدي الثورة السورية إلى حتفها خاصة وهو في تنافس مع حركة أكثر من حركته حمقا هي داعش: فهما أفضل ورقة لدعاية النظام وروسيا وإيران.
وذلك لعلتين: الأولى أنهم يحولوا دون من يريد مساعدتهم لأنه لايستطيع تبريرفعله في الدبلوماسية الدولية إذ مساعدته لهم تعني أنه يشيجع الإرهاب.
ثم هم لا يميزون بين الأعداء ولا يرتبونهم: فمن يريد أن يحارب الجميع يخسر الجميع ولا يربح أي حرب. لا ينتخبون الأهداف بل يرمون في عماية.
هل يوجد عاقل يخوض حرب تحرير شعبية ويستقر في المدن؟ وهل يوجد عاقل يخوض حربا ويبقى محاصرا سنوات بدلا من أيفك الحصار قبل كل شيء آخر حتى لا ينقطع المدد العسكري (الأسلحة) والمدني (المؤن)؟
أين تعلموا القتال؟ هل استمرأوا بوصفهم أمراء حرب تكوين إمارة في كل مدينة؟ ما الفرق بينهم حينها وبين بشار؟ فهو يريد إمارة في سوريا المفيدة.
الحرب الجارية ليس للنظام السوري فيها يد. هو مجرد غطاء للتدخل الروسي والإيراني تماما كالحال في العراق وفي اليمن. فهم بحاجة إليه لدفع الحرج الدبلوماسي.
فروسيا وإيران تحتاجان دبلوماسيا لحجة الدعوة من نظام شرعي. في حين أن الدول التي اعترفت بالثورة لم تستعمل هذه الحجة بأن تبدأ فتنفي شرعيته.
فالدول العربية لو كان لها حظ من السيادة لقالت: النظام ليس شرعيا ولا نعترف به والدعوة أتتنا من ممثل السوريين الوحيد باعتراف الجامعة: الثورة.
ومع ما ذكرت عن الثوارهي أن الأنظمة العربية أكثر خوفا من الثورة منها من الأعداء الذين سيعاملونهم كما يعاملون السوريين والعراقين إن انتصروا.
ولست أستبعد أنه يوجد من بين الأنظمة العربية الغنية وهما من يمول حملات بوتين في سوريا كما مول حملات إسرائل في غزة.لكن إيران لن تكتفي بجزره.
أف من هكذا نخب وأنظمة عربية: هم يصملون أعينهم بأيديهم ويقتلون أبطال شعبهم للإبقاء على الاستبداد والفساد في بلاد لا سيادة لها ولا كرامة.
قد أفهم خوف الخليجيين فهم قليل عديدهم. لكن هم الذين اختاروا أن يبقوا قلة بمقتضى أنانية غبية لم يعرفها الغرب الذي يتهمونه بأنه كافر وملحد.
أمريكا وحدت أوروبا بأن أعادت بناءها بعد الحرب العالمية الثانية بخطة مارشال. وعرب الخليج كان يمكن أن يفعلوا أحسن. لكنهم تمويل ما أرادوه مواخير لهم وخدما.
ولما علمت نوع المعاملة انتهيت عن التفكير في العمل في أي بلد عربي وفضلت ماليزيا للعمل خارج الوطن بعد أن سدت الآفاق حتى الاختناق في عهد الاستبداد والفساد.
ولم أفكر في العمل في الغرب لأن مواقفي وعجزي عن النفاق يحولان دوني والخضوع لشروط لا تتماشى مع ما أومن به: فعندي أن حضارتنا-على هوانها لدى أصحابها-هي أفضل مشروع للأخوة البشرية (النساء 1).
وكلما قيم لهم إن قوتنا هي في وحدتنا وتعاوننا وتكاملنا اتهمو القائل بأنه طامع فيهم وحاسد نعماءهم. يهملون أن قوة الغرب هي فهمه لشرط قوة التكامل بدل الأنانية.
فما تكفلت به أوروبا لإخراج اليونان من كبوتها وما كلفته ألمانيا الشرقية لألمانيا الغربية وما قدمت أوروبا لإلحاق اسبانيا والبرتغال كان يمكن للعرب أن يتكفلوا بأقل من عشره لضم اليمن التي صارت شوكة في خصرهم.
ونفس الأمر كان يمكن أن يجبننا حروب العراق الثلاثة التي كانت من أجل حمايتهم فصارت سببا في تهديمه وتغول إيران التي تحتل فعليا وإن بتقية الشكليات ما تصوروا أنفسهم حرروه من العراق.
قلنا لهم إن التنافس في نطح السحب في مدن تخلو حتى من نظام المجاري لا يدل على الحضارة بل يدل على إخفاء التخلف ظنوا أننا من عرب الشمال.
ينسون أني مرزوقي يعني من قلب الجزيرة لا فرق بيني وبين ابن خلدون الذي هو من حضرموت. من بقي في الخليج ليس أفضل منا فنحن الفاتوحون لا هم.
وما كنت لأقول هذا الكلام لولا علتين: سمعت أحد الحمقى يدعي أن بقية العرب يحسدون عرب البترول ولا يدري أن من لا نفط له أكثر اعتمادا على العمل والإنتاج منهم. وتلك هي الثروة الحقيقية.
والعلة الثانية هي أن العدو لا يميز بين عربي بنفط وعربي بلا نفط لأن ما يريد أخذه هو أرض العرب كلها إذ هدفه استرداد امبراطورية أسقطناها نحن.
لم يتعبني شيء في الدنيا أكثر من عقم النخب العربية وحمق قيادات الرأي في أمة كانت رائدة وتكاد تصبح بائدة ب حكام- إلا ما ندر- أفسد البشر وأبلدهم.
ومع ذلك كله فلست يائسا فالحضارات لا تبنيها الكثرة بل القلة الصادقة. والأمة لا تخلو منهم.وهزيمة روسيا وايران وحتى إسرائيل لاحقا لن تعيينا.
وتأجيلي إسرائيل لغاية. فلا يمكن ان نحارب الجميع في آن: حتى نهزم الخطر الأكبر روسيا وإيران لا بد من مهادنة الغرب ومع إسرائيل فهي من قواعده.
واعتقادي أن إيران أخطر من روسيا لأنها تحرف الإسلام وأن روسيا أخطر من إسرائيل لسلطانها الدبلوماسي الأممي ولبقايا خردة السوفيات النووية أما إسرائيل فلا يمكن حاليا عزلها عن الغرب.
وكل استراتيجا تستهدف النصر ولا نصر ضد الكل في نفس الوقت. وإذن فلا بد من تريتب العداوات والتصدي لها بترتيب الأخطر والمباشر فالأدنى خطرا.
لكن نصرنا على إيران وروسيا سيجعلنا قوة مهابة. وحينها يمكن للغرب أن يحد من عنجهية إسرائيل بل وقد يتركها لمصيرها كما فعل مستعمراته الصينية.
إذا استرددنا قوتنا وصرنا قطبا عالميا-بشرط أن يفهم أمراء الطوائف العرب أنهم ليسوا رؤساء دول بل حراس محيمات غربية-سنحصل على كل حقوقنا عنوة.
ولاختم هذه المحاولة بكلمة حول دور أوروبا. هي تتفرج الآن. لكن وضعها ليس أفضل من الخليج.لا يدركون أن بوتين أخطرعليهم من هتلر بتركة السوفيات.
هو الآن مسيطر عليهم بما عنده من الطاقة والسلاح النووي. فكيف إذا سيطر مع إيران على بترول الخليج وغازه وصار بذلك سيد الإقليم والمتوسط؟
إذا تخلت عنهم أمريكا وظلوا مقدمين عداوتهم لنا على عداوتهم لبوتين فلن يكونوا أقدر منا على الصمود أمامه كما لم يصمدوا أمام هتلر من دون أمريكا.
وحتى أمريكا فإنها لم تكن قادرة على انقاذهم من هتلر من دون الجيوش الجرارة التي كان أغلب جندها من مستعمراتهم التي لم تعد تحت سلطانهم والمساعدة من الأحرار أبلغ اثرا من مساعدة المستعمرين.
لذلك سبق أن دعوت الأوروبيين إلى العمل سوية مع غالبية أهل الإقليم الواحد-حوض الأبيض المتوسط-حتى نتعاون لحمايته في عصر العماليق لنظام العالم المقبل.
أعلم أن الأوربيين ما يزالون كما كان الخليجيون معتمدين على الأمريكان. لكن رجلا مثل ترومب يمكن وهو خاضع لسحربوتين أن يبيعهم حفاظاعلى صداقته.
ألم يصفق لاحتلاله القرم وهجومه على أوكرانيا التي انتزعها منها؟ فما يدريهم ألا يكون ذلك من جنس ما حصل مع هلتر عندما استرضوه في البداية؟
مال أوروبا أصبحت بلا رجالات ينظرون إلى بعيد؟لو سمعوالدوجول لكان بالوسع تجنب الحرب الثانية وجرائمها؟فقد رزئت فيها أنا بأختي وابن عمتي وخالي.
هل نحن العرب ملزمون بأن نشارك في حروب مفروضة علينا في أرضنا منذ الحرب العالمية الأولى -وفيها جند والدي- والثانية ثم الحالية التي تخاض ضدنا؟

تابعنا على الفايس بوك لتصلك الأخبار لحظة بلحظة