القائمة

تونس الآن

تونس الآن

أزمة قرطاج والقصبة: الحقائق العشرة

أزمة قرطاج والقصبة: الحقائق العشرة

نور الدين الختروشي

محلل سياسي تونسي

تونس ما بعد الاستبداد تبدو وكأنها في حيرة مما برز من محدودية نخبها الجديدة في التعامل مع المرحلة الجديدة وادارة يومياتها ، فلان نجحت نخبنا في القفز على ممكن التحارب الداخلي الذي سقطت فيه بقية بلدان الثورات في محيطنا العربي ، ونجحت بأقدار معتبرة في تأسيس المعمودية الدستورية لديمقراطيتها الناشئة ، فإنها فشلت فشلا مفزعا في تحقيق المطلوب الاجتماعي والتنموي من الثورة . 

ولعل من أهم أسباب هذا الفشل الذي يوشك على أن يأتي الحمل وما حمل ، هو عدم التستقرار الحكومي وتعاقب ثمانية حكومات على ادارة الشأن العام يكفي كمؤشر على عدم جدية تونس الجديدة في التعامل مع الاستحقاقات الوطنية الضاغطة وفي مقدمتها الملف رالتنموي . 

شرط الاستقرار الحكومي كمقدمة لاي استراتجيات حل لمشاكل البلاد المتراكمة هو ما استندت عليه حركة النهضة يوم رفضها للموافقة على الفصل 64 من وثيقة قرطاج 2 والداعي لتغيرر حكومة الشاهد . وقد فجرت النهضة برفضها لرغبة الرئيس او نجله في رحيل حكومة الشاهد أزمة جديده سرعان ما تطورت وتعقدت وامتدت ووضعت الجميع امام امام توازنات جديده مفتوحة على اعادة تشكيل المشهد الذي هندسه بالاساس لقاء الشيخين الشهير في باريس.

الازمة الجديدة التي تحولت الى ازمة مفتوحة بين قرطاج والقصبة من جهة وبين النهضة وحليفها من جهة اخرى تعقدت عناوينها وفصولها وفواصلها ووضعت الجميع امام ديناميكية ازمة حادة و متسارعة تشابكت فيها الخيوط وامتدت لتشمل مؤسسات الدولة ومجتمع الاحزاب ولعله من المفيد لفهم الموجود وحصر ممكنات تطوره ان نعيد بسط وعرض حقائق الازمة الجديدة التي تشمل عناوين التاريخ والدستور والسياسة من خلال عشرة حقائق أساسية قد تساعد في فهم المشهد وديناميكية تطور المشهد :

أ - في الازمة التاريخية وعقدة التحول من الاسنبداد الى الديمقراطية : 
1- دشنت كما هو معلوم ثورة الحرية والكرامة زمنا سياسيا وطنيا جديدا جوهره نهاية عقد العنف والاكراه الذي قامت عليه الدولة في فضاءنا الوطني والعربي عموما والتأسيس لزمن سياسي ديمقراطي جوهره أنسنة الحيز السياسي كمجال مفتوح على المشاركة والمنافسة والتداول على ارضية العقد الاجتماعي المدني ، عقدة هذا التحول كانت في ترشح الاسلاميين لقيادة الانصبة الديمقراطية الوليدة في فضاءنا العربي على اعتبارهم الاكثر تجذرا شعبيا والاكثر تنظما حزبيا ، وتونس لم تكن استثناءا وفي هذا الاستثناء تبدو الحقيقة الاولى لأزمة اجتماعنا الوطني الجديد في شكل مفارقة تختزل كل تعقيدات التحول التاريخي العميق الذي تشهده تونس نحو زمن الحداثة السياسية ، مفارقة تقول مما : 
كلما تقدم الاسلاميون خطوه على أرضية مرجعيتهم نحو الحداثة ، تأخر الحداثيون خطوتين نحو الاصولية ، وكلما تقدم الاسلاميون على أرض السياسة خطوة نحو الديمقراطية ، تأخر " الاوصياء الجدد" عليها عشرا نحو الاقصاء والاستبداد واحتكار الحقيقة الوطنية . كل تعقيدات الوضع التونسي ومن وجهة نظر تاريخية يمكن قراءتها على سطح وعمق هذه الحقيقة .

2- عفوية وفجئية الثورة التونسية وتجاوزها للنمط التاريخي الذي عرفته الثورات من قبلها أفصحت عن محدودية قدرة النخب التي ناضلت من اجل الحرية على ادارة الشأن العام ، فموت النضالية التي كامت تستوجب الشحاعة كانت كارثية على العقل السياسي تلذي ادار مرحلة ما بعد سقوط النظام وأبانت على ضعف فادح في القدرة العينية والملموسة لتقديم بدائل تنموية مقنعة ، وهذا قد يكون مفهوما بحكم تهميش وتصيفية المعارضة زمن الاستبداد ولكن لا تنفي حقيقة عدم التأهيل السياسي والفني للنخب التي من المغترض انها كانت تعارض لتحكم.. وقد بينت تجربة ما بعد الثورة ان هذه النخب لم تكن تعارض الدكتاتورية لتحكم بل كانت تعارض لتسجل موقفا اخلاقيا وسياسيا ضد الاستبداد بداعيةالاخلاق والشجاعة وليس بشرعية البديل والبرنامج ، فقد كانت المعارضة الوطنية بيمينها ويسارها تعرف جيدا ما لا تريد ولكنها لا تعرف تحديدا ما تريد او هذا ما يفصح عنه ضعف اداءها الرسمي عندما نسلمت مقاليد الحكم بعد الثورة. 

3 - ان تونس ورغم ما يبدو من فشل مختلف الحكومات والنخب في تحقيق المطلوب التنموي فانها بالنتيجة والنهاية نجحت في انجاز المأمول التاريخي وخو القطع من زمن الاستبداد وتدشين رمن الحداثة السياسية ولعل مفاعيل الازمة السياسية المتواترة سواء في فصولها السابقة او في حلقتها الاخيرة ليست سوى التعبير بالنهاية عن حيوية التجربة والبحث المواضب من النخب عن الانجع من صيغ ادارة الشأن العام على أرضية دستور الثورة وضمن قوانين وأعراف المنافسة السوية في الانصبة الديمقراطية بل ان كثافة وعمق الازمة الحالية التي امتدت الى الجانب الدستوري وتضارب المصالح والصلىحيات بين الحكومة والرئاسة ليست بالنهاية سوى دربة قاسية على ادارة الازمات على أرضية الديمقراطية وسيتبين الرأي العام والنخب المعنية القدرة الخارقة والوازنة لاديمقراطية على امتصاص أزماتها مهما كانت حدتها . 

ب - أزمة دستورية وحدود النظام السياسي الجديد 
4 - معلوم ان النخب التي رشحتها الانتخابات التأسيسية لكتابة الدستور الجديد كانت في أغلبها سليلة تونس المناضلة ضد الاستبداد وكان من الطبيعي ان يكون العقل السياسي الباطن لتلك النخب ان تبحث عن الصيغة الدستورية الاكثر نجاعة في غلق الابواب امام التفرد بالسلطة او الاستبداد بها وكانت صيغة النظام الرئاسي المعدل بدعة. تونسية هاجسها الاساسي تذرير مراكز السلطة بين ثلاثي الرئاسة والحكومة والبرلمان .

5 - في أول امتحان للنظام السياسي الجديد بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية الاولى في زمن الديمقراطية شهدنا صعود قوة سياسية تنتمي في عمومها الى تونس القديمة الني تعايشت مع الاستبداد ومنها من كان من رموز النظامين البورقيبي والنوفمبري ، وعلى رأسهم رئيس الدولة نفسه كشحصية مخضرمة تىلت أعلى المناصب منذ الاستقلال الى العهد النوفمبري ، وقد لاحظ الجميع المنزع الرئاسوي الحاد لدى السيد الباجي قائد السبسي حيث أفصح أداءه طيلة التربعة السنوات الفارطة على نزوع حاد ومصمم على تجاوز صلوحياته الدستورية والعودة بقرطاج الى مركز الثقل المؤثر في توازنات السلطة والعملية السياسية برمتها ، حيث تتالت المبادرات الرئاسية لتعمق حقيقة عدم قبول الرئيس ان يكون " ربع رئيس " ، وكانت اخر مبادراته التي فجرت الازمة الحالية هي دعوته الجديده لتغيير حكومة هو من اقترح وعين رئيسها . 

5- ردة فعل رئيس الحكومة على مبادرة الرئيس بعد رفض حزبخ حركة النهضة لها كانت قاسية في تذكيرها للرئيس ان ان الشاهد ايس وزيرا أولا بل رئيسا للوزراء كما حدد ذلك دستور الثورة . وهكذا تحولت الازمة السياسية التي كان عنوانها تجويد الاداء الحكومي ومعالجة فشل الحكومة في الايفاء بالاستحقاق التنموي أساسا الى أزمة صلوحيات بين الشاهد والسبسي ، أعادت الرئيس الى حجمه الدستوري واضعفت حجمه السياسي ، وأطلقت السجال من جديد عن مبدأج الانسجام بين المؤسسات السيادية ومدى قدرة النصاب الدستوري الجديد على امتصاص ازمة تضارب المصالح بين تلك المؤسسات بين متمسك بالصيغة الدستورية الجديدة على اعتبارها الصيغة الانسب لامتصاص اي منزع استبدادي بالسلطة وبين داع الى ضرورة تغيير الدستور بما يحقق الانسجام بين المؤسسات العليا و اصلاح خطيئة مبدأ الشبه رئاسي - الشبه برلماني بالحسم لصالح الصيغة البرلمانية او الرئاسية بالنظر لمخاطر التعارض بين قرطاج والقصبة على استقرار النظام السياسي نفسه ومن وراءه الوضع العام بالبلاد . 

ج - أزمة سياسية مفتوحة : 
6 - عندما صرح المدير التنفيذي حافظ قائد السبسي ان حزبه سينهي التوافق مع النهضة اثر فوزها بالبلديات لم يأخذ الرأي العام تصريحه مأخذ الجد ورأى فيه ردة فعل غير محسوبة سيعدلها عقلاء الحزب في الوقت المناسب ، الا ان الصدمة كانت مع اعلان رئيس الدولة لنهاية التوافق في حواره مع احدى القنوات في الاسبوع الفارط ، منبت الصدمة ومصدرها هو خطورة استتباع هذا الاعلان على المسار السياسي برمته ، فمعلوم ان التوافق بين الشيخين كان الرافعة الاساسية التي حفظت تونس من مآلات ما سمي بدول الربيع العربي. وهو ما يعني انفتاح المسار على مجاهيل غير محسوبة وقد تكون مكلفة على الجميع ولعل هذا ما يفسر تنصل رئيس الدولة من المسؤولية الاخلتقية والسياسية لفك الارتباط مع النهضة وتأكده على شريكه هو من طاب الطلاق على حد تعبيره. وهو ما نفته قيادات النهضة لاحقا وأكدت مرارا وتكرارا عن تمسكها بالتوافق وعدم رغبتها في فك ارتباطها بشريكها . 

7- منذ رفض الشيخ الغنوشي الموافقة على تغيير الشاهد جوت مياه كثيرة في النهر وبادر الشاهد بتصدير خلتفه مع جناح نجل الرئيس الى الاعلام والرأي العام ورفض التستجابة ادعوة الرئيس لعرض حكوكته لتجديد الثقة تحت قبة البرلمان ، وتشكل حول الشاهد حزام سياسي قوي وكتلة برلمانية جديدة تجاوزت في حجمها كتلة النداء لتصبح الكتلة الثانية بعد النهضة وتغيرت ملامح المشهد السياسي وتوازنات الخارطة ، وبدى الشاهد وكأنه بصدد حسم المعركة لصالحه . 

8- النهضة وجدت نفسها في قلب معركة هي في منشأها ليست معركتها ، وكان من الطبيعي ان ترتبك بهذا القدر او ذاك في ادارة معركة مسقطة عليها و لاتمسك بخيوطها ، وغم انها من فجرها ومن فسح المجال للشاهد ان يصنع ديناميكية بقاء في القصبة من خلال الخطوات الني اتخذها وأهمها قراره في ان يخوض معركة بقاءه مع حزبه ورئيسه الى اخر نفس ، فالنهضة راهنت على ربح الوقت وبقيت متمسكة بمبدأ الانحياز للاستقرار الحكومي بداعية المصلحة الوطنية وفي نفس الوقت تؤكد انها عير داعمة للشاهد في شخصه لمبدأ الاستقرار الحكومي ، وفي هذا الغموض نقطة قوة وضعف موقف النهضة فهي بهذا تركت شباكا مفتوحا على قرطاج نظريا وأعطت للشاهد" كل" الفرصة لصنع ديناميكية بقاء في القصبة الى اخر العهدة الانتخابية . 

9 - موازين القوة على ما تبدو من مؤشرات تتحول لصالح الشاهد ومطلوب من النهضة الان وهما ان تحسم موقفها مع الشاهد الذي يتحول الىًمشروع زعيم قد يؤثر في تشكيل المشهد بعد الانتخابات القادمة او العودة الى خيمة قرطاج التي ردت عليها عواصف بفية بادان الربيع العربي والحالة لا تتحمل ترددا او مخاتلة فطبيعة الصراع الدائر بين شقي النداء وبين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة لا يتحمل نصف الموقف خاصة اذا استحضرنا ان النهضة بالنهاية من يملك الكلمة الفصل في هذا الصراع . 

10 - مهما كانت مخرجات هذه التزمة فالاكيد انها ستعيد تشكيل خارطة التوازنات السياسية ومهما تغيرت موازين القوى بين أطراف الازمة فالاكيد بحكم النظام السياسي القائم ان ديناميكية التحول في المواقع والادوار ستجد مرساها عند نقطة توافق جديده. والسؤال هو التوافق القادم سيكون بين والنهضة ومن ؟؟؟


جريدة الرأي العام في عددها الصادر صباح اليوم