القائمة

تونس الآن

تونس الآن

أيها الإخوان ما لكم وللسياسة؟

أيها الإخوان ما لكم وللسياسة؟

جمال خاشقجي

كاتب سعودي مقيم في واشنطن

قد لا يدرك الإخوان المسلمون أنهم انتصروا وحان الوقت لأن يتخلوا عن تنظيمهم الذي بات يؤرق بعض قادة المنطقة. لقد بات "الإسلام السياسي" اختياراً شعبياً لشريحة معتبرة من أي مجتمع مسلم، ولا يحول بينه وبين الحكم أو المشاركة فيه إلا توفر الديمقراطية، بالتالي ليتهم يرفعون شعار "الديمقراطية هي الحل" مثلما رفعوا يوماً شعار "الإسلام هو الحل".

صعب عليهم أن يتخلوا عن الاسم، فذاك مثل أن تقول لشركة كوكاكولا أن تتخلى عن اسمها التجاري الذي يساوي وحده مليارات. ولكن ماذا لو دعوتهم للتخلي عن السياسة؟ لقد أثبتت التجربة أن قادة الإخوان لا يحسنونها، حتى ذهب صديق كان يوماً من الإخوان إلى القول "لو كنت مفتياً يُسمع له لأفتيت بحرمانية ممارسة الإخوان للسياسة". قائل هذه الجملة سياسي سوري يخدم قضية بلاده ولكنّه لم يعد يحتمل ممارسة "شيوخ" الإخوان للسياسة.

ليس وحده، فمثله كُثر وغالبيتهم كانوا إخواناً وتركوا التنظيم، ولكن لم يتخلوا عن الفكرة الإسلامية.

أوافقه في ذلك، ولديّ دليلان على كارثية ممارسة الإخوان للسياسة، ما كلّفهم، بل كلّف الأمة ومسيرتها نحو الديمقراطية والعدالة الكثير.

عندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990، انقلبت أحوال العرب والمسلمين رأساً على عقب ومعهم الإخوان بشتى تفرعاتهم العربية والإسلامية. لم تكن أوضاعهم سيئة كما هي اليوم. كانوا يتمتعون بقدر من الحرية وقدر أهم من العلاقات مع حكومات المنطقة أهمها مع السعودية التي كانت حليفاً تاريخياً لهم منذ أيام الراحل الملك فيصل.

كان ينبغي على الإخوان الحفاظ على هذا الحلف مهما كلّف الأمر، ولكنهم تعاملوا مع أزمة غزو الكويت وما تبعها من استعانة السعودية بالقوات الأمريكية تعامل كاتب المقال وليس السياسي! ما الفرق؟

كاتب المقال لا يهتم بنتيجة مقاله. إنه يريد تسجيل موقف. وبالطبع لم يكن مشهد القوات الأمريكية وهي تحتشد على أراضي جزيرة العرب مريحاً. حتى الملك الراحل فهد وإخوته من حوله قبلوه على مضض. كان على الإخوان أن يغلِّبوا السياسة والمصلحة ولكنهم حاولوا إمساك العصا من الوسط، فشجبوا احتلال الكويت ووقفوا ضد السبيل الوحيد لتحريرها ووقْف صدام من التوسع إلى ما بعدها، وهو الاستعانة بالقوات الأمريكية. ذلك الموقف أدى إلى خسارتهم أهم حليف لهم ولا يزالون يدفعون كلفته حتى الآن.

الخطأ الكارثي الثاني هو أداؤهم بعد وصولهم إلى السلطة في مصر، في أول انتخابات حرة ديمقراطية تشهدها أكبر دولة عربية. مرة أخرى كان عليهم الحفاظ على الديمقراطية هناك مهما كلفهم الأمر، حتى ولو كان الثمن ترك السلطة، وهم الأحق بها وفق قواعد صناديق الاقتراع في ديمقراطية هشة. ولكنهم اتخذوا مرة أخرى موقف "كاتب المقال" المعني بالموقف المبدئي والحق، لا السياسي المدرك للواقع.

النتيجة كانت ضياع الديمقراطية في مصر وضياع الثورة التاريخية التي كان يمكن أن تغيّر قدر العالم العربي كله وليس مصر فقط، الثورة التي جاءت في لحظة نادرة في مسعى لطالما حلمت به مصر وأحرارها منذ عشرات السنين. تكلفة ذلك الموقف باهظة على الإخوان اذ أعادتهم وشبابهم إلى السجن والقمع، مبددين فرصة للدعوة في أجواء حرة كانت لوحدها تستحق الحماية حتى لو لم يكونوا في السلطة، ناهيك عن مقتل آلاف من أنصارهم.

سيصرخ أحدهم الآن: ماذا عن الجيش؟ ماذا عن الانقلاب؟ لماذا لا تحمّله المسؤولية؟ أولئك فعلوا ما يحسنونه، وماذا تحسن غالبية جيوش الجمهوريات العربية غير الانقلاب وقمع الشعب والاستحواذ على السلطة؟ الإخوان هم الذين لم يفعلوا ما كان ينبغي أن يحسنونه وهو حسن التدبير والحفاظ على الثورة والحرية والديمقراطية.

السياسة مهنة لها أهلها المختصون بها، هم الذين يناورون، ويتلاقون مع خصومهم في منتصف الطريق، هم الذين يرون عواقب "المواقف" ومستعدون لتغييرها وفق المصلحة، فلا يكونون كتّاب مقالات وشعراء حماسة وخطباء على المنابر.

لو ترك "شيوخ" الإخوان ودعاتهم السياسة، سيكونون صانعي الملوك. في الديمقراطية، يبحث السياسي عمّن يدعمه، والجميع يعلم قوة الإخوان. حصل ذلك بعد الثورة. اصطف خصوهم أمام بابهم، وحرص سفراء دول تبغضهم على تصدر حفلهم الرمضاني السنوي المعتاد.

لقد حان الوقت لأن يدركوا أنهم انتصروا بعد نضال 90 عاماً. ففي أوائل القرن الماضي، كانت مهمتهم التصدي للتغريب الذي اكتسح العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة والدولة العثمانية. اتفقت النخب التي تصدّرت المشهد وقتذاك على أنّ المشكلة تكمن في مرجعية الإسلام السياسية، وعلينا لننهض أخذ حضارة الغرب بخيرها وشرها، والفصل بين "المسجد" والدولة، ليبقى الإسلام في المساجد ولكن ليُخرج تماماً من السياسة. كمال أتاتورك كان نموذجاً، وتمادى في ذلك في بلاده المولودة من جديد. كان هناك "أتاتيرك" كُثر في عالمنا أرادوا الاقتداء به. تصدى الإخوان في سنيّهم الأولى لذلك ونجحوا، ولكن لم ينتصروا.

في الستينيات، جاءت موجة أعتى قادها عسكر صغار السن والعقل معاً، التفّ حولهم اليسار، فكانت الشيوعية والاشتراكية هي الرائجة. طرح هؤلاء ما هو أدهى: إلغاء الإسلام كمرجعية اجتماعية وليس سياسية فقط. ساد التخفف من الدين اجتماعياً. اليوم كل مَن أراد انتقاد العودة إلى الدين، يبحث عن صورة لطالبات جامعة القاهرة بالجونلات (التنانير) القصيرة، متحسراً: انظر كيف كنا منفتحين مستنيرين، ثم يعقّب بصورة لنفس الجامعة وقد انتشر فيها الحجاب. تحالفوا وقتها مع الراحل الملك السعودي فيصل وانتصروا معاً، وعاد الإسلام قوياً كمرجعية اجتماعية وظلَّ مغيّباً سياسياً.

اتفقت جمهوريات العسكر العربية ذات الواجهة الديمقراطية التقدمية المشوّهة على حظر الإسلام من ممارسة السياسة بزعم "حظر الأحزاب الدينية"، ولكن استمر الإخوان بالدعوة ونشر فكرتهم. انفجرت الثورة وجاءت الديمقراطية كاملة في مصر وتونس، وأٌزيل ذلك الحظر غير الديمقراطي على مضض، ليس من قبل العسكر الذين خسروا المعركة مؤقتاً فقط، ولكن حتى من القوى المدنية التي تزعم أنها ليبرالية. شارك الإخوان وغيرهم من القوى الإسلامية في الانتخابات بمصر وتونس (حتى ليبيا) فاكتسحوا. حصدوا ثمار دعوتهم، وتأكد للجميع أنّ ثمة شريحة هائلة في المجتمعات العربية ستعطي دوماً صوتها للإسلاميين. هذه الشريحة لا تزال موجودة ولكن يحول بينها وبين الحكم أو المشاركة فيه بمصر وجود نظام عسكري متفرد بالسلطة، رأينا كيف أدار انتخابات هزلية مؤخراً.

لذلك ليعلن الإخوان، رغم جراحهم وآلامهم، أنهم انتصروا، ثم ليتنحوا عن السياسة، لتسهيل مهمة عودة مصر وبعض العالم العربي إلى ديمقراطية تعددية، فسوف يكون هناك حزب سياسي ما تتجمع حوله أصوات تلك الشريحة الملتزمة بإعطاء صوتها للإسلاميين، شيء ما مثلما تبلور بعد خبرة وممارسة وحكمة في تونس والمغرب وتركيا، حزب واقعي يمارس السياسة لا الخطابة.