القائمة

تونس الآن

تونس الآن

إضافة إلى التحوير الوزاري.. العملية الإرهابية إعلان حرب على الانتخابات القادمة

إضافة إلى التحوير الوزاري.. العملية الإرهابية إعلان حرب على الانتخابات القادمة

محمد الحمروني

إعلامي تونسي

العملية الإرهابية التي وصفتها الجهات الرسمية بالفاشلة والمعزولة، وهي فعلا كذلك، لها أوجه عديدة ورسائل عدة يجب أن تُقرأ من خلالها، لا فقط في علاقة بالاستقرار العام في البلاد ولا في علاقة بالاستقرار السياسي والحكومي فقط، بل أيضا في علاقة بتغير موازين القوى سواء في البرلمان أو في الساحة السياسية، وانعكاس ذلك المنتظر على نتائج الاستحقاقات الانتخابية القادمة..

من حيث الأسباب المباشرة، جاءت العملية الإرهابية عشية التحوير الوزاري المرتقب، وبعد أن تأكّد الشاهد من ضمان نصاب قانوني لتمرير هذا التحوير في البرلمان بعد أن تم الاتفاق – مبدئيا على الأقل- على توافق واسع يضم بالأساس كتلة الائتلاف الوطني وحركة النهضة والمشروع.. إضافة إلى مجموعة أخرى من الأحزاب التي قد لا تكون تمثيليتها كبيرة في البرلمان ولكنها يمكن أن تساعد في تشكيل حزام سياسي واسع للحكومة على غرار الجمهوري وبقية ما يسمى بأحزاب العائلة الاجتماعية الديمقراطية.

جثّة الانتحارية ملقاة وسط شارع الحبيب بورقيبة إثر العملية الارهابيّة التي قامت بها يوم الاثنين 29 أكتوبر 2018

وهو ما يعني أحد أمرين بالنسبة للنداء (شق حافظ أو ما تبقى منه) إما الدخول في الحكومة والقبول بولاية جديدة للشاهد حتى الانتخابات القادمة، وهذا سيكون تنازلا مؤلما جدا، وقبولا مرّا بالأمر الواقع، وإقرارا بالفشل في ازاحته. أو رفض المشاركة وهو ما يعني خروج النداء نهائيا من الحكم ومزيد من تشظيه، الأمر الذي لا يمكن قبوله بالنسبة لحزب تربى جل أبنائه ومؤسسيه على الحكم والحكم بشكل منفرد.. وهو أيضا الحزب الذي رفضت قياداته مجرد القبول بنتائج انتخابات بلدية جزئية في ألمانيا فكيف لها أن تقبل بترك كرسي الحكم.

حقيقة هو وضع إشكالي وازمة بالنسبة لحزب لم يتعود أبناؤه ولا قياداته على الهزائم الانتخابية علاوة على قبولهم الخسارة في المعارك السياسية.. وهي أزمة عبّر عنها البيان الأخير الموتور الذي وقعه الأمين العام الجديد للحزب ودعا فيه إلى الدخول في مفاوضات حول تشكيل الحكومة بشرط عدم مشاركة النهضة، دون أن يوضّح البيان هل هذه الحكومة ستكون برئاسة الشاهد أم لا؟

هذه الوضعية وهذه الأزمة دفعت بعديد المتابعين إلى اعتبار أن الهدف من العملية الإرهابية الأخيرة، بغض النظر عن الفاعلين المباشرين فيها، هو إعادة خلط الأوراق، وفرض منطق جديد على رئيس الحكومة يوسف الشاهد وعلى الطبقة السياسية ككل في علاقة بالتحوير الحكومي، مثلها في ذلك مثل كل العمليات الإرهابية التي وقعت في بلادنا والتي كانت تأتي دائما في مواقيت معينة وتزامنا مع محطات سياسية محددة..

لذلك لم يستغرب الكثيرون من تصريحات رئيس الجمهورية التي اتفق الجميع على أنها لم تكن في مستوى الحدث، وأنها لم تكن موفقة بالمرة، ولم يكن مستساغا صدورها عن القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس مجلس الأمن القومي.. بل هناك من رأى فيها محاولة لتوظيف العملية الإرهابية في الجدل السياسي المتصاعد منذ فترة والمتعلق بالتغيير الحكومي وبقاء أو رحيل الشاهد.

واللافت أن الرئيس وجّه الانتقادات إن لم نقل الاتهامات إلى الطبقة السياسية بالمسؤولية عن حالة عدم الاستقرار السياسي وما أسماه بالتكالب على المناصب والكراسي وتجاهل قضايا المواطن الحقيقية.. وهو ما ردّ عليه المتابعون بالتساؤل عن الطرف الذي أصرّ على تغيير رئيس الحكومة في هذا الظرف بالذات وتمسّك بالكراسي.. ورفض الموقف الداعي إلى الاستقرار الحكومي الذي تبنته حركة النهضة ودافعت عنه، وخير عدم الاستماع الى ما نبهت اليه من مخاطر إزاحة الشاهد على الأوضاع في البلاد.. كما تساءل المتابعون عن الجهة التي أصرّت على المنصب حتى أفرغت حزبها من كفاءاته، ومزقته إلى شقوق ورتوق.. وعن الطرف الذي اختار الانتصار لابنه على حساب موقعه وما يقتضيه من حياد وتغليب للمصالح العليا للبلاد..

لذلك بدا موقف الرئيس للأسف ضعيفا، ومنحازا، غلبت عليه محاولة استثمار الحدث، في معركته مع الشاهد، أكثر من تفاعله معه كرئيس دولة وكقائد أعلى للقوات المسلحة، وهو ما يؤكد مرة أخرى تغليب عُصبَة العائلة على عصبيّة الدولة.. حتى بات الاستقرار نفسه مستهدفا لأن النهضة المستفيد الوحيد من هذا الاستقرار .. كما قالت ورددت قيادات ندائية عدة.

لذلك تبدو العملية، متناسقة مع رغبة البعض في العودة إلى سياسات الارباك والفوضى، وهي نتيجة طبيعية لحالة الهستيريا السياسية التي أصابت بعض الأطراف في بلادنا منذ الإعلان من قبل السيد الرئيس عن نهاية التوافق مع حركة النهضة.. وتوجه الأخيرة إلى تحالف سياسي أوسع يمكنه ضمان نحو 130 صوتا في البرلمان ما يعني تمرير التحوير الوزاري المرتقب بيسر..

هكذا تبدو الحيثيات الآنية المتعلقة بالعملية الإرهابية، ولكن لهذه العملية الإرهابية أبعاد اخرى متوسط المدى تتعلق بالاستحقاق الانتخابي القادم، الذي تبدو ملامحه الكبرى متشكلة إلى حد كبير بمفاعيل نتائج الانتخابات البلدية.. وما آلات إليه موازين القوى السياسية والأوضاع الداخلية لجل الأحزاب السياسية من شقاق وفرقة وتشظي يكاد يذهب بريحها.

فالعملية الإرهابية إذا، وفي احد مستويات قراءتها، هي إشارة انطلاق لمعركة2019، معركة لن تكون هينة ولا بسيطة بين من يعملون حثيثا لتأمين مسارها، ومن يستميتون من أجل إلغائها أو ارباكها بأي السبل..

محاولة الإرباك، وضرب الاستقرار والعودة إلى سياسات صناعة الفتن والفوضى والترهيب، لا يمكن أن تكون في الحقيقة سوى البداية لمعركة كبرى من أجل الانتخابات القادمة.. معركة، الرهان فيها ليس الربح والخسارة، بل الرهان الحقيقي فيها تكون او لا تكون..

هاجس الانتخابات القادمة بات يحكم طيفا واسعا من النخبة السياسية، وحسابات الربح والخسارة باتت تتحكم في قرارات أغلب الأحزاب، لذلك نرى كل هذه الفوضى والتناقضات في التصريحات والمواقف وكل هذه التقلبات في التحالفات والجبهات ..

وهذه الفوضى في جزء كبير منها مقصودة لذاتها وليست نتيجة عرضية، والمراد منها إضافة إلى التشويش على التحوير الوزاري، التشويش على الاستحقاق الانتخابي القادم وتعطيله.. خاصة إذا تأكدت الدولة العميقة والقوى اليسارية المتحالفة تاريخيا معها أن خصمهم السياسي هو الذي سيفوز فيها..

معركة جديدة تذكرنا بمعركة الانتخابات البلدية، وفي الوقت الذي يضحي البعض ويتنازل من أجل الاستحقاقات الوطنية، يصارع البعض الآخر من أجل المواقع،.. لذلك من المنتظر خلال الفترة القادمة أن ترتفع أصوات التوتير والتشويش، وأن تتصاعد حدة التهم المجانية، وأن تتهافت أكثر فأكثر المجاميع الإعلامية التي يبدو أنها فقدت أصلا صوابها قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية..

ومن الغرف السوداء إلى الادعاء بأن الفتاة التي فجرت نفسها تنتمي إلى فصيل طلابي معين وصولا إلى مطالب أخرى ستبدو خارجة عن كل منطق.. جميعها عبارة عن ردات فعل علينا فهمها والتحسب لها جيدا، فالرهان القادم تاريخي، ونجاحنا في الوصول إليه وانجازه بسلام يعني دخول تونس زمنها الديمقراطي بشكل نهائي وقطعها تماما مع عودة الاستبداد بشكل لا رجعة فيه، وهو أمر مجرد التفكير فيه – بالنسبة للبعض – يدفع بهم إلى حالة الجنون.

المصدر: الرأي العم