القائمة

تونس الآن

تونس الآن

التوافق بين الشيخين.. نهاية أم تصحيح للمسار؟

التوافق بين الشيخين.. نهاية أم تصحيح للمسار؟

محمد الحمروني

إعلامي تونسي

النهضة أمامها 3 خيارات سياسية :
- يواصل الشاهد في القصبة مع إبعاد الوزراء الفاشلين
- يغادر الشاهد القصبة في إطار توافق داخل الائتلاف أي النهضة وكتلته والمشروع ليتمكن من تجسيم مشروعه والذهاب إلى الانتخابات بنفس حظوظ الأطراف الأخرى
- في حال تم الاتفاق مجددا بين النهضة ورئيس الجمهورية على تعديل مسارات التوافق قد تنقلب المعطيات ويكون المجال متاحا لحكومة جديدة ترأسها شخصية مستقلة مدعومة من رئاسة الجمهورية والنهضة إلى غاية الانتخابات القادمة.
.

لم يستغرب كثير من الملاحظين إعلان رئيس الجمهورية "نهاية" التوافق مع النهضة في حواره التلفزي الأخير كورقة إعلامية وسياسية يمكن أن تثير الاهتمام وتجعل الحوار حدثا. هذه الورقة استخدمها داهية قرطاج في أكثر من مناسبة تلميحا وتهديدا وخاصة في خطابه يوم 13 أوت 2017 وحواره الغامض مع جريدة الصحافة بعده بأسابيع قليلة. كان الأمر متوقعا ولا علاقة له البتة بموقف النهضة من يوسف الشاهد كما ذكر الرئيس وكما يصرّ البعض على الترويج لذلك.

تعليق التوافق جاء صراحة ودون مواربة على لسان الناطقين باسم نداء تونس بعد هزيمتهم في انتخابات ألمانيا ولا علاقة لذلك البتة بموضوع إقالة الشاهد وهو ما تكرر أيضا مباشرة بعد هزيمة النداء في الانتخابات البلدية .

يعني أن التوافق تحوّل إلى ورقة ضغط بل ابتزاز أو في أحسن الأحوال مناورة اتصالية وفِي كلا الحالتين فالنهضة هي الطرف الخاسر، وتحديدا الشيخ راشد الغنوشي الذي كان إلى وقت قريب متهم بالانبطاح لساكن قرطاج بل لابنه وإنه رهن مصير النهضة بتوافق ليس له من التوافق إلا الاسم.
يمكن القول أن النهضة قبلت من أجل التوافق ما لا يمكن أن يقبله طرف سياسي له وزنها وثقلها الشعبي والبرلماني وكان القبول بدخول حكومة الصيد بوزير واحد مغامرة غير محسوبة العواقب، وبمرور الأيام والشهور تحوّل التوافق إلى تنازل متواصل وموافقة على كل ما يقدمه الطرف الآخر حتى وهو في أضعف حالاته.

طيلة سنوات الباجي التزمت النهضة خط الوفاء والدعم له حتى خيّل للبعض أنها مضطرة لحاجتها لحماية ما أو لخوفها من شيء ما، حتى قال الشيخ لا.

قالها يوم 1 أوت 2017 حين دعا الشاهد إلى الاختيار بين الحكومة والترشح للانتخابات الرئاسية ويومها اعتبر موقفه انتحاريا ودفعا للنهضة نحو العزلة ويوم 25 ماي 2018 قال لا الثانية دفاعا عن الاستقرار الحكومي، لتقوم قيامة البعض داخل النهضة وفِي النداء وخارجهما بين منبه لخطورة هذه الخطوة وانعكاسها على الوضع في البلاد من جهة القطيعة مع الرئيس وحزبه أو من جهة ما قد تكون مساهمة من الشيخ في صناعة دكتاتور جديد سيجهز على النهضة بعد الاجهاز على النداء.

يمكن القول أن يوسف الشاهد الذي كان مصيره معلقا بكلمة من الشيخ في الاجتماع الأخير لوثيقة قرطاج استفاد أيما استفادة واستغل الفترة المنقضية ليبني كتلة أصبحت الثانية في البرلمان ويزلزل أركان النداء ويغيّر موقع اتحاد الشغل من التحالف مع الرئيس ونجله إلى موقع أكثر توسطا بل لعبا على الحبلين. محسن مرزوق عدو الأمس للشاهد وسلاح الدمار الشامل الذي هدد حافظ باستخدامه ضد النهضة أصبح أكبر المدافعين عن الشاهد والداعين لإبعاد المدير التنفيذي. هل يعني ذلك أن الغنوشي فتح أمام الشاهد طريق التغوّل مستقبلا؟ هل ستؤدي رؤية النهضة للاستقرار الحكومي إلى تسليم الحكم لرجل بات يتقن لعبة الدوسيات وهرسلة الخصوم؟

الإجابة بكل بساطة لا قطعا، فالنهضة لم تعقد صفقة مع الشاهد وهنا بيت القصيد لم تقطع مع سي الباجي وأغلب خطوط التواصل بينهما مازالت مفتوحة وقد تنجح في إزالة نقاط الاختلاف في أي لحظة، ثم إنّ للنهضة كل الضمانات لمراجعة موقفها بعد استيفاء ضرورة الحفاظ على الحكومة الحالية حفاظا على الاستقرار الحكومي.

إنّ الدعوة لإسقاط الحكومة جاءت قبل الانتخابات البلدية وأسابيع قليلة قبل صرف قسط قرض البنك الدولي وانهاء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والآن في ذروة مناقشة الميزانية. بعد أسابيع من الآن تكون كل هذه الضرورات طَي للماضي ويكون بالإمكان وقتها التعاطي مع الحكومة مع تحييد الدولة عن العبث بأركانها ومقومات استقرارها ويكون المجال متاحا لسيناريو من ثلاث..

- يواصل الشاهد في القصبة مع إبعاد الوزراء الفاشلين
- يغادر الشاهد القصبة في إطار توافق داخل الائتلاف أي النهضة وكتلته والمشروع ليتمكن من تجسيم مشروعه والذهاب إلى الانتخابات بنفس حظوظ الأطراف الأخرى
- في حال تم الاتفاق مجددا بين النهضة ورئيس الجمهورية على تعديل مسارات التوافق قد تنقلب المعطيات ويكون المجال متاحا لحكومة جديدة ترأسها شخصية مستقلة مدعومة من الرئاسة والنهضة إلى غاية الانتخابات القادمة..

هذه السيناريوهات التي تلعب فيها كتلة النهضة دور الحكم حيث بإمكانها منح الأغلبية لهذا الطرف(مجموعة الشاهد تضم 47 نائبا) أو ذاك الطرف (مجموعة النداء تضم 43 نائبا)، تنبع من قرار حرّ، اختيارا لا اضطرارا وبما تقتضيه المصلحة الوطنية لتؤكد أمرين على غاية من الأهمية :

أولا: أن سياسة النهضة منذ خارطة الطريق رسّخت موقعها في المشهد السياسي بعد تفكك أو تراجع كل الأحزاب الأخرى، وعززت مناعتها وقدرتها على المناورة وبناء تحالفات جدية

ثانيا: أن بعد نظر الشيخ راشد سواء حين قدّم التنازلات أو حين قال لا، ينم عن قراءة صحيحة للواقع ولموازين القوى الداخلية والخارجية ولما تقتضيه المصلحة الوطنية، وهو ما جعل النهضة قوة سياسية هادئة عقلانية لا تخضع للابتزاز والتهديد ولا تحركها الأطماع السياسوية أو ردود الفعل الانفعالية..

الخط السياسي للغنوشي نجح في الحفاظ على وحدة النهضة بعد مؤتمر صاخب وتوقعات بفرقعة الحركة التي ازدادت قوة وتوحدا وهو ما أبرزته ردود الفعل على التهديد بقطع التوافق وعلى ندوة الجبهة الشعبية وخاصة على محاولة بعض الأطراف الندائية نقل مشهد الفرقة والتطاحن إلى البيت النهضاوي، تماما مثل نجاحه في جعل الحركة التي قادت الاحتجاج على الدكتاتورية قاطرة المصالحة مع الماضي والتوافق مع خصوم الأمس.

واليوم وبعد 5 سنوات تبدو النهضة في مفترق طرق لا بين الشاهد ورئيس الجمهورية بل بين تصحيح مسار التوافق الذي لم يعد من مجال ليعبث به حافظ والمحيطون به بعد أن كان استراتيجية وطنية يقودها الشيخان، أو استشراف مشهد جديد إن عجز الرئيس عن إبعاد التوافق عن نزوات ابنه، وإن قبل توافقا أكثر جدية لا يقوم على التهديد والوعيد وثقافة المنّ.

يبقى الباجي قائد السبسي رقما أساسيا في معادلة الشيخ راشد ويبقى الشريك والحليف التاريخي وهو ما أكده في أكثر من مناسبة ولا يمكن لمن يعرف الغنوشي أن يتخيّل أنه سيتخلى عن صديقه.

ولكن مسؤولية الشيخ راشد الوطنية والحزبية قد تكون دعته إلى موقف سيظهر المستقبل وجاهته كما أظهر الحاضر حكمة الرجل التي لم تكن واضحة بما يكفي حين أقدم على خطوات كانت وقتها من باب الانتحار السياسي لتصبح لاحقا من دعائم النموذج التونسي وبها تمكنت النهضة من المحافظة على موقعها في صدارة المشهد السياسي.


جريدة الرأي العام في عددها الصادر يوم 04 - 10 - 2018