القائمة

تونس الآن

تونس الآن

النهضة والاستحقاقات القادمة .. 3 خيارات تنتظر الحسم

النهضة والاستحقاقات القادمة .. 3 خيارات تنتظر الحسم

محمد الحمروني

إعلامي تونسي

باقتراب الاستحقاق الانتخابي بدأت حرارة المشهد السياسي في الارتفاع لتبلغ ذروتها في الأسابيع القادمة التي يفترض أن تحمل كثيرا من الأجوبة عن أسئلة كثيرة عالقة خاصة بالنسبة لحركة النهضة.

مصادرنا تؤكد أنّها لن تحسم اسم مرشحها للانتخابات الرئاسية وأن الاختيار النهائي سيكون في شهر أوت القادم وأنّه سيكون للنهضة في جميع الأحوال عند غلق باب الترشح في 10 سبتمبر القادم مرشح للانتخابات الرئاسية، قد يكون رئيس الحركة أو أمينها العام زياد العذاري أو أحد نوّاب الرئيس أو شخصية قيادية مزاولة للنشاط.

أي بعبارة أخرى أن النهضة لن تدعم أي مرشح من خارجها سواء كان قريبا منها أو بعيدا عنها اللهم في حالة واحدة سيكون فيها نقاش مستفيض، داخل المؤسسات، كما أكّدت مصادرنا أنّ قرار الباجي قائد السبسي الترشح لفترة جديدة… وهو خيار يبدو مستبعدا الآن ولكنه ممكن بل ممكن جدّا.

قيادة الحركة لموقف واضح وقويّ من محاولات الإرباك التي تتعرض لها بين الحين والآخر وكأن الانتقال القيادي عملية روتينية للتسلم والتسليم والحال أنّها فرصة للنهضة لتدعيم الخط السياسي وقطع خطوات أخرى في اتجاه تطبيع وضع الحركة في المجتمع واستثمار الرصيد الذي حققته القيادة داخليا وخارجيا حتى تكون الفترة القادمة 2020 / 2024 فترة بناء وتشييد للنهضة وتعزيز لموقعها في المشهد السياسي ومصالحتها مع الدولة.

الانتقال القيادي ليس معركة تموقع شخصي لهذا أو لذاك وليست صراع أجنحة بل هي تتويج لمسار تشكل نهضة متجدّدة قطعت مع أخطاء الماضي قبل الثورة وبعدها سواء في المستوى التنظيمي الداخلي أو التموقع السياسي.

المؤتمر الحادي عشر للحركة والذي سيشهد أكبر عمليّة انتقال قيادي في تاريخ الحركة مع كل المحاذير والمخاطر والتحدّيات والفرص الكامنة في ذلك، هو بكل تأكيد فرصة للقيادة لوضع هذا المسار على السكة الصحيحة .

وإضافة إلى الرئاسيات والمؤتمر الحادي عشر، رهان آخر يقف أمام النهضة وهو تقييم  تجربة سنوات من التوافق مع النداء ورئيسه الباجي قائد السبسي،  ومن الانفتاح على التيّار الدستوري والدفاع عن حقه في المشاركة وهي تجربة فيها الإيجابي وفيها السلبي بما يستدعي التقييم الموضوعي وبلورة تصوّر واضح في ارتباط بقرار الباجي قائد السبسي الترشح أو عدم الترشح، وقدرة النداء على الصمود في وجه المؤامرات ضدّه، ومدى جدية القيادات العقلانية مثل محمد الغرياني وكمال مرجان في قيادة تيّار دستوري قادر على تحقيق المصالحة التاريخية والحيلولة دون إعادة الدساترة إلى مربع الفكر الاستبدادي.

ولا نستغرب أن يكون للنهضة قرار قويّ لدعم التوافق كخيار استراتيجي للعقدين القادمين حيث تحتاج تونس سنوات من الحكم التوافقي الائتلافي كما تحتاج النهضة جهدا أكبر لاستيعاب المصالحة مع التجمعيّين الذين يحتاجون بدورهم نفس الجهد للتخلّص من إرثهم الاستبدادي .

تجربة أخرى تستحق التقييم  بل لعلها ستكون المشغل الأساسي كما أكّدت لنا مصادر مطلعة وقريبة من رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وهي تجربة الاستقرار الحكومي التي مرّت عليها سنة كاملة وهي مدة كافية للتقييم دون شك كما أن الفترة المتبقية للانتخابات تجعل قرار النهضة بالبقاء أو الانسحاب من الحكومة بنّاء وداعما للمناخ الذي ستجرى فيه.

الاستقرار الحكومي أتى أكله دون ريب وقاد تونس إلى محطة الانتخابات بهدوء وسلاسة رغم شدّة العواصف التي ضربت البلاد.

الآن الأوضاع تغيّرت على أرض واقع فلم تعد معطيات ماي 2018 نفس معطيات ماي 2019، مع بروز حزب تحيا تونس الذي فشل إلى حدّ الآن في الإقناع بأنّه ليس حزب الدولة وهو يضم 15 وزيرا في الحكومة ويمارس منذ أشهر سياسة منهجيّة في التموقع في الإدارات الحساسة وخاصة الإدارة الجهوية والأمن والإعلام والقضاء، مع عجز عن تبرير سياسة تحييد الخصوم عبر الملفات وصولا إلى القطرة التي أفاضت الكأس وهي إغلاق قناة نسمة الفضائية بالقوة العامة.

الأسابيع القليلة القادمة ستكون فرصة للاختبار والتقييم، وأمام رئيس الحركة راشد الغنوشي كما أكّدت مصادرنا ثلاثة خيارات مطروحة.

الخيار الاول هو إعلان القطيعة مع الشاهد والدعوة لحكومة انتخابات مهمّتها تصريف الأعمال لمدّة خمسة أشهر خاصة وأن خارطة الطريق التي طرحها الشاهد نفسه تقنية ولا تحتاج حكومة سياسيّة .

الخيار الثاني وهو مواصلة الوضع الحالي حتى ينقلب السحر على الساحر كما يقال، فانحراف الشاهد بالسلطة عن مسارها التوافقي نحو الاستبداد والتسلّط وتصفية الخصوم سيجعل حزب تحيا تونس وزعيمه في مأزق مزدوج أي تحمّل فاتورة الحكم من جهة، ودفع ضريبة كثرة الأعداء الذين باتوا الآن بصدد التشكل في جبهة واسعة مدعومة بغضب شعبي متصاعد إزاء السياسات الفاشلة والتهافت على الحكم الذي لم تعد لقيادات تحيا تونس أو أغلبها على الأقل القدرة على إخفائه. مشروع الشاهد حسب هذه القراءة وبقطع النظر عن مدى تطابقها مع الواقع، انبنى على  ابتلاع أكثر ما أمكن من السلطة في أقرب وقت وتحييد ما أمكن من الخصوم عبر الملفات والتشويه واستنزاف النهضة لتصل إلى الانتخابات في وضعية إنهاك تام وتحطيم الأبنية السياسية القائمة (النداء والجمهوري وآفاق والمشروع والمبادرة والمسار… وصهرها في بوتقة الحزب الجديد تحت عنوان توحيد العائلة الديمقراطية) والهيمنة على الإعلام والسيطرة على رجال الأعمال…

ولكن هذه الاستراتيجية اصطدمت بـ 4 معوّقات أساسية الأولى هي ضعف فريق التنفيذ في الحكم وخاصة الاقتصاد الذي يهيمن عليه تحيا تونس بالكامل تقريبا. الثانية هي بروز ما يسمى “بمجموعة الشاهد” في كل القطاعات وقد أصبحت في الغالب عناصر محروقة وتحت طائلة الاستهداف. الثالثة هي قوى الصد في المجتمع وخاصة اتحاد الشغل والقوى المجتمعية الثورية في الواقع المحلّي.  والرابعة هي التكتيك الذي اعتمده الشيخان أي الحفاظ على شعرة معاوية بينهما، هذا التكتيك قد يكون أوقع الشاهد في مصيدة الحكم ليصبح كل يوم يقضيه في القصبة وكل قرار يتخذه ورطة على صاحبه.

الخيار الثالث وهو دعوة الشاهد الى تشكيل حكومة جديدة متوازنة من تحيا تونس والنهضة والنداء والمبادرة يباركها رئيس الجمهورية، وتكون حكومة مصغرة مع التزام رئيسها بإعلان عدم الترشح للانتخابات بوضوح. وهذا الخيار يبدو الأقرب الى الموضوعية، في ظل بوادر عودة الوئام بين الشاهد ورئاسة الجمهورية ووجود ضمانات قوية بأن رئيس الحكومة لا يملك مشروع استبداد وأنّه واع بخطورة مسايرة التيار الانتهازي في تحيا تونس في مسعاه لتوظيف الدولة لصالح الحزب.

فالقراءة السوداوية لمسيرة الشاهد في الحكم يمكن أن تقابل بكثير من الحجج التي تجعلها محلّ تهافت.

فالرجل استطاع رغم كل ما يقال عن محيطه أن يبقى فوق مستوى الشبهة من جهة نظافة اليد، كما تحلى بدرجة كبيرة من الوعي السياسي والقدرة على المناورة في علاقته بالشيخين وبمكونات تحيا تونس وباتحاد الشغل ليبلغ حد البراعة في المشي بين الألغام.

ولعلي اشهد من خلال الزيارة الخارجية الوحيدة التي رافقته فيها – وأرجو أن لا تكون الأخيرة – بقدرته على تمثيل تونس الثورة بجيل شاب مثقف وسياسي محنك وله قدرة اتصالية بارعة.

هذا الخيار قد يحقق مصلحة الجميع ويهيئ المجال لتحالف قوي بعد الانتخابات يدخل مباشرة في الإصلاحات الكبرى، ولكنه قد يصطدم بتشبث بعض المحيطين بالشاهد بالطريقة الحالية في الحكم كضمانة بالنسبة اليهم للهيمنة على الانتخابات.

النهضة  إذن أمام منعرج حاسم بالنسبة إلى الداخل النهضوي أو المشهد الوطني وهي تؤكّد بسلامة خياراتها إلى حدّ الآن صحة البناء المؤسساتي وقوّة الخط السياسي الذي لا يعرف الارتجال والتخبط والانفعالية التي تجعل الفعل السياسي مجرّد ردود فعل متشنجة أو تصفية حسابات شخصية أو تفريغا لعقد نفسية.

النهضة أمام قرارت صعبة لا شك في ذلك وما عليها إلّا الجمع بين الحزم والتريث والإصغاء لأصوات العقل وعلى النهضويين بالخصوص إدراك خطورة لعبة التموقع الشخصي في المؤتمر وبعده لأنّ الرهانات المطروحة اليوم وطنية بامتياز تتطلب أداء بعقل يتجاوز التفكير الحزبي الضيّق.