القائمة

تونس الآن

تونس الآن

تونس الجديدة تنتصر.. ولو كره الكافرون بالحرية 

تونس الجديدة تنتصر.. ولو كره الكافرون بالحرية 

نور الدين الختروشي

محلل سياسي تونسي

2019 سنة الامل بالنسبة لقطاع من التونسيين يكبر ويتقلص بحسب مؤشر نجاح نخب ما بعد الثورة في انجاز الادنى والاقصى من طموحات التونسيين وأمالهم التي علقوها على الثورة. وسنة 2019 سنة مزعجة ومحيرة بالنسبة لقطاع آخر من التونسيين لأنها قد تنتهي بضربة قاضية لطموحهم المتجدد في العودة بتونس الى ما قبل الثورة، وما أستجلبته من إعادة تأسيس لمنظومة الحكم لتنسجم مع زمن الديمقراطية.

رهان هذه السنة ومدار "الهم" والاهتمام فيها يقع في آخرها، فأنظار الجميع معلقة على شهرها التاسع حيث موعد الانتخابات التشريعية الثانية التي من المفترض ان يحدد فيها صندوق الانتخابات من سيتولى عهدة الحكم الثانية في زمن الديمقراطية.
بالحساب الزمني تبدو محطة الانتخابات قريبة وعلى مرمى بصر، أما بالحساب السياسي فأكتوبر القادم يبدو على مسافة بعيدة، دونه عقبات بحجم الجبال.

تونس تستقبل السنة الميلادية الجديدة وهي تئن من وجع أزمة أقتصادية متجددة، تتعمق مفرداتها وتنذر مؤشراتها باحتقان اجتماعي شامل، يستغرب المراقبون من عدم انفجاره ومن صبر التونسيين على نخب حاكمة تعاقبت على الحكم، ولم تنجح إلا في التداول على تعميق معاناة التونسيين، وتوسيع دائرة الفقر التي تكاد تمسح حدود ما يسمى بالطبقة الوسطى.

معلوم ان الرهان الاجتماعي المتجدد للديمقراطية هو توسيع الطبقة الوسطى ومحو مربع الحاجة والفقر بتعميم الرفاه وتوفير فرص المنافسة النزيهة على الانتاج وتوزيع الثروة. 

تبدو الديمقراطية التونسية وكأنها لا تعمل الا في مربع المفارقة، فهي كلما ترسخت أقدامها في زمن الحرية ، اضطربت خطواتها وارتبكت في أفق العدالة، وكأنها مصرة على التوزيع العادل للفقر. 

في مساحة الفشل المتجدد على المحور الاجتماعي تتجدد مع نهاية كل سنة وتنشط الاستراتيجيات المتربصة بالحرية التي ولدت من رحم الثورة. وقد تزامنت في هذا الشتاء مع أزمة سياسية حادة بدأت برفض الغنوشي المصادقة على النقطة 64 من وثيقة قرطاج الثانية والداعية الى تغيير الحكومة لحلحلة الأزمة الاقتصادية الخانقة حيث لم تر فيها النهضة سوى رغبة نجل الرئيس في التخلص من الشاهد.

لم يتحمل الرئيس ان تعارضه النهضة وسارع إلى إعلان نهاية التوافق من جانب واحد، واستدعى في أيام معدودة كل أدوات الحرب التقليدية على النهضة وهددت أبواقه الاعلامية بأسقاط السقف على الجميع وكانت مبادرة السترات الحمراء وخرافة الجهاز الخاص أكثر المضحكات المبكيات في استراتيجية القصر لضرب النهضة وحليفها الجديد الشاهد. 

التونسيون حيروا العالم بسرعة حسمهم لمعاركهم مع من تسول له نفسه العبث باستقرارهم المرح في زمن الحرية . فمع نهاية كل سنة ميلادية يستعمل الخاسرون من الثورة والديمقراطية كل المتاح الذي عصف ببقية دول الثورات العربية لإجهاض التجربة والمسار، وفي كل مرة يسارع الرأي العام عبر وسائط التواصل الاجتماعي خاصة في فضح مؤامرات المتربصين بالتجربة وإجهاضها في المهد.

جريدة الرأي العام في عددها الصادر يوم 03 جانفي 2019

تونس الجديدة تتجدد مع نهاية كل سنة ميلادية على محارق الاستجابة الافقية العامة لتحدي التمسك بمنجز الثورة الوحيد وهو الحرية وكأننا بهذا الشعب يترجم شعار ثورته المجيد "الشعب يريد أسقاط النظام" ب "الشعب لا يريد سوى الحربة" فتسقط بذلك كل التنظيرات التي وقفت على مسلمة ان الحرية هي هاجس النخب والعدالة هاجس الجمهور. 

يبدو الاستثناء التونسي في أفقية هاجس الحرية وتراكم الوعي لدى الجماهير بأن الحرية هي شرط الوجود الاجتماعي وليست من تالياته. 

أم الحقائق التي أفصحت عليها السنوات الثمانية الماضية من عمر الثورة تتكثف في وعي التونسيين الأفقي بشرط الحرية أولا.

يجرجر زمن الاستعباد والاستبداد خطوه المتثاقل بعيدا عن أرض الخضراء في هذا الشتاء الثامن وتستقبل تونس الثورة عامها التاسع بمرح عام مدهش بدالة أصرار هذا البلد الصغير على انتزاع تاريخه من القدر وانتظامه في زمن التحكم بالمصير.

عودة الرشد الى قرطاج في الأسبوع الأخير من العام المنقضي، ودعوة الرئيس في تبريكه بالسنة الجديدة الى الإسراع في تجاوز ما تبقى من عقبات في طريق الانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية هذه السنة هو في الحقيقة إعلان لموت استراتيجيات الردة على المسار. 

فلم تتوفر للمتربصين بثورتنا وما أنجزت ظروفا أكثر موائمة من هذه السنة حيث تقاطعت لأول مرة منذ الثورة إرادة مؤسسة الرئاسة مع جيوب الردة في الداخل ومحاور الشر الدولية والاقليمية لتجتمع على هدف أسقاط السقف على الجميع وتعفين الوضع الى أقاصي الفوضى وحرب الكل ضد الكل قياسا واقتباسا لفضائحية المشهد الثوري في بلدان الربيع العربي. 

خسروا المعركة قبل ان تبدأ، فقد تنادى " شعب الفايسبوك العظيم" من كل فج عميق وضرب بسرعة ودقة في مقتل استراتجيات جيوب الردة التي لم تشفع مظلة قرطاج في الخروج بهزيمة مذلة وتقديري انها الاخيرة. 

دعوة الرئيس الجريح لرئيس الحكومة واحزاب الائتلاف الحاكم والمنظمة الشغيلة لخيمة الحوار خطوة جريئة وشجاعة من الرئيس ستحسب له خاصة وانه انحرف في الاشهر الاخيرة عن مدار المرجعية الجامعة وانخرط في خفة غير مفهومة الا بغلبة المشاعر الابوية في استراتيجية جيوب الخاسرين من الثورة اولا ومن العملية السياسية ثانيا. 

وقد أثبت الباجي بعودته الى "حيث كنا" انه الابن الوفي لبورقيبة الذي عرف بشجاعته في التراجع في الحد المناسب والساعة الدقيقة. 

يعلم ويعي صناع الحروب وسماسرة الدم وجنرالات الفوضى ان انتخابات 2019 هي النقطة التي ستنتهي عندها ثنائية الثورة والثورة المضادة وان عند هذه المحطة سيعلن تاريخ السياسة وطنيا الخروج النهائي من زمن الثورة وبعدياتها، ليستقبل التونسيون تاريخ السياسة وانسنة الصراع على السلطة وحولها بفرح مقدس. ولهذا ربما ستقذف جيوب الردة ما تبقى من حجر في جرابها في الاشهر القليلة القادمة طمعا في تعطيل تشكيل المحكمة الدستورية، وتجديد رئاسة هيئة الانتخابات وسد شغورها، ولكن الراجح عندي انهم لن ينجحوا في اخر مساعيهم، وستنتصر تونس الجديدة في بقايا معاركها الصغيرة، وسندخل زمن الإنتاج العام على قاعدة الديمقراطية وفي إطارها ولو كره الكافرون بالحرية. 

اذا وصلنا سالمين الى محطة 2019 سندخل روتين زمن الديمقراطية، َستكون يوميات السياسة مملة وباهتة، لا تفتح على الحلم والمعنى، بقدر ما ستحاصرنا بتقنيات تحسين الشرط الاجتماعي...

يومها سنغادر نهائيا دائرة الصراع التاريخي المنعش بين الاستبداد والحرية....

يومها سينفصل التاريخ عن السياسة وسنكتب سردية القلق كما يكتب المتقاعد يوميات عطالته وخروجه الحزين من مدار الانتاج الى أفق النهايات.. 

بعد 2019 سينتهي التاريخ لتبدأ السباسة..

في ذلك اليوم الحزين سيدفن الاجل طرافة الحالمين بتغيير العالم، وسيرمينا القدر بقسوة في قفص التكنوقراط الكئيب.

يومها سيحتكر المتصرف بغرور تسيير أشياء الدولة وتصريفها بلازمة الحوكمة ليشطب بأحمر العقلانية الصلبة عنوان الحكم ...

ستموت السياسة عند نقطة انتزاعها من التاريخ... ولن تولد الا بولادة حلم جديد بعالم ما بعد المصالحة بين الحرية والعدالة...


جريدة الرأي العام - 03 - 01 - 2019