القائمة

تونس الآن

تونس الآن

تونس و اتفاقية التبادل الحر الشامل و المعمّق مع الاتحاد الاوروبي

تونس و اتفاقية التبادل الحر الشامل و المعمّق مع الاتحاد الاوروبي

أسامة اللواتي

مدون تونسي

يمكن اعتبار العلاقات الثقافية والتجارية التي تربط بين تونس والاتحاد الأوروبي من اعرق العلاقات وذلك بحكم العامل الجغرافي والتاريخي الذي يقرب كثيرا بين الطرفين. لذا يعود إبرام أول اتفاق تجاري بين تونس و المجموعة الاقتصادية الأوروبية إلى سنة 1969 حيث تبعه التوقيع على اتفاق تعاون سنة 1976. وفي هذا الاطار، تعد تونس أول بلد من الضفة الجنوبية للمتوسط الذي أمضى اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي وذلك في جويلية 1995، والذي دخل حيز التنفيذ منذ سنة 1998. ولقد تم بموجب هذا الاتفاق إنشاء منطقة للتبادل الحر حيث تم بمقتضاها حذف المعاليم الديوانية على تجارة المنتوجات الصناعية فقط . ومن هذا المنطلق تصدر المنتوجات الصناعية التونسية إلى أسواق الاتحاد الأوروبي معفاة من المعاليم الديوانية .

ومنذ سنة 2011 وتبعا للتحولات السياسية التي شهدتها تونس قام الاتحاد الأوروبي بالترفيع في نسق المساعدات لتونس من اجل مساندتها في عملية انتقالها الديمقراطي وتحصلت تونس بهذه المناسبة على صفة الشريك المميز منذ نوفمبر2012. ومن هذا المنطلق يتعين توطيد هذه العلاقات المميزة التي تجمع تونس والاتحاد الأوروبي حيث وقع اطلاق برنامج الاليكا.

ولقد تم الإعلان الرسمي عن انطلاق المفاوضات بخصوص مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق “الاليكا” بتونس يوم 13 أكتوبر 2015 بمناسبة الزيارة الرسمية للمفوض الأوروبي السيدة سيسيليا مالموستروم . وتهتم الاليكا بمشروع اتفاق بين تونس والاتحاد الأوروبي لتوسعة وتعزيز تعاونهم الاقتصادي. وتجسم الاليكا من هذا المنطلق هدف رئيسي لمرتبة الشريك المتميز التي تحصلت عليها تونس لدى الاتحاد الأوروبي منذ نوفمبر 2012 وهي عبارة عن أداة اندماج فعلي للاقتصاد التونسي في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنطلق، لا يتعلق الامر باتفاق تجاري جديد بل بالأحرى باندماج أعمق للاقتصاد التونسي في فضائه الاورو-متوسطي.
وسيتم هذا الاندماج للاقتصاد التونسي داخل الفضاء الاقتصادي الأوروبي عبر:

- ملاءمة تدريجية للنصوص المنظمة للمناخ التجاري والاقتصادي.
- التقليص من العوائق غير الجمركية.
- تبسيط وتسهيل الإجراءات الديوانية .
- تحسين شروط نفاذ المنتوجات والخدمات إلى كل من السوق التونسية والأوروبية على حد السواء.

ويهدف هذا الاتفاق بالخصوص إلى تكملة وتوسعة الاتفاق ليشمل قطاعات أخرى اضافية لمنطقة التبادل الحر الخاصة بالصناعات المعملية التي تم ارساؤها بموجب اتفاق الشراكة لسنة 1995. حيث ان اتفاقية الشراكة لسنة 1995 اقتصرت على حذف المعاليم الجمركية فقط على المنتوجات المصنعة وتبادل بعض التنازلات بالنسبة لقائمة تشمل بعض المواد الفلاحية والغذائية والصيد البحري في اطار حصص. 

وسيمكن مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق “aleca” من خلق اطار موسع ليسهل بصفة تدريجية عملية التعاون والتبادل بين تونس والاتحاد الاوروبي في جميع المجالات (تجارة الخدمات، الاستثمار وحماية الاستثمار، تجارة المنتوجات الفلاحية والفلاحة المصنعة والصيد البحري، الصفقات العمومية، الاجراءات الصحية والصحة النباتية، شفافية التشاريع، سياسة المنافسة، حقوق الملكية الفكرية، التنمية المستدامة، الجوانب التجارية المتعلقة بالطاقة...). ويمكن القول أن المفاوضات بالأساس ستشمل قطاعين جديديْن، بقيَا إلى حدّ الآن خارج مجال “التبادل الحرّ”، وهما الفلاحة والخدمات بمختلف تفرّعاتها. وهو ما يعني تمكين الشركات الأوروبية الضخمة من منافسة المؤسسات التونسية في مجالات “استراتيجية” مثل الغذاء والطاقة والصحّة والبنوك والصفقات العمومية. 
ويقدر بعد استكمال مشروع اتفاق التبادل الحر والمعمق ستكون الفوائد بالنسبة لتونس كالآتي: 

- نفاذ المنتوجات و الخدمات التونسية بكل سهولة داخل سوق أوروبية تضم أكثر من 500 مليون مستهلك.
- تحسين ظروف الاستثمار والمناخ العام للأعمال بفضل إرساء أطر قانونية مستقرة ،اكثر قابلية للتوقع.
- ملاءمة تدريجية للاقتصاد التونسي مع المعايير الأوروبية والتي من شانها الرفع من مستوى الجودة 

المأمول والمحظور

وترى الحكومة في الاتفاقية خطوة ضرورية لتعزيز “الاندماج في السوق الأوروبية”، ويقدر عديد الخبراء ان الاندماج في الاقتصاد العالمي هو خيار استراتيجي ومن شأنه أن يساهم في تحقيق النمو الاقتصادي الا أننا اليوم مدعوون الى تكثيف اتفاقيات الشراكة ليس مع الاتحاد الأوروبي فقط ولكن مع تكتلات اقتصادية أخرى. ومثل هذه الاتفاقيات لا بد أن يستفيد منها الاقتصاد التونسي الذي نقر بأنه اقتصاد في حاجة الى تعزيز قدراته الإنتاجية والتنافسية.الا أنه في غياب عنصر التكافؤ مع شركائنا فان إيجابيات الشراكة يمكن أن تتحول الى سلبيات لذلك لابد من التعويل على الذات وعدم الاعتماد على المساعدات المالية التي لا يأتي منها الا الفتات. 

في المقابل، تستنكر عديد منظمات المجتمع المدني غياب رؤية للتنمية الاجتماعية في الاتفاقية وعدم الأخذ بعين الاعتبار خصوصية البلاد، وبينت أن هذه الاتفاقية التي في طور التفاوض لم تتضمن تغيرًا في الاستراتيجية بشكل يسمح لتونس بمواجهة تحديات التنمية ومطالب التشغيل والعدالة الاجتماعية. وحذرت هذه المنظمات من التباين بين المصالح التي ستنتفع بها تونس من جهة ودول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى بعد تطبيق الاتفاقية، فالمنافسة بين الشركات التونسية والأوروبية غير متكافئة حيث ستنتفع هذه الأخيرة من منح في المجال الفلاحي على سبيل المثال، وشددت هذه المنظمات على ضرورة تقييم معمق ومستقل لنتائج شراكة تونس والاتحاد الأوروبي على مدى 40 سنة والتي حررت تدريجيًا التبادل بين الطرفين، على أن يشمل التقييم النتائج التي ستمس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ماهو مطروح على المفاوض التونسي

إنّ التفاوض اليوم يشكّل حلقة جديدة لتطوير الشراكة بين الطرفين ولا نتصوّر أن تتخلى تونس على هذه الشراكة التي مثلت ولا زالت حوالي 80 ٪ من حجم مبادلات تونس الخارجية وكل مطالبة بذلك لا يعدو أن يكون من باب العبث أو عدم الإحساس بالمسؤولية. من البديهيّ أن تتفاوض تونس ولكن الأهم هو كيف تفاوض، ومن هو الفريق الذي سيقود عملية التفاوض وخاصة ما هي الحدود السياديّة التي يتحتم التمسّك بها وعدم المساس بها. ويدعو عديد الخبراء المفاوض التونسي أن يحمل بقوة المصالح الوطنية المرطبة بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولأنها مضطربة فهي تشكل خطرا على الجميع، فأوروبا مدعوّة إلى توفير كل ما يمكّن تونس من التغلّب بصفة كاملة على الصعوبات التي تعترض لها والمطالب التونسية يجب أن تكون قوية وجريئة تضمن الخروج من الأزمة وبأقل التكاليف. كما أنه من الواجب الانطلاق بجملة من المسلمات وأولها أنّ أوروبا ليست جمعية خيرية وستستميت في الدفاع عن مصالحها وهذا أمر جد طبيعي ولكنها في أشدّ الحاجة إلى شراكة قوية مع تونس وستطالبنا بفتح أسواقنا و محاربة الهجرة غير الشرعية ورفع القيود الجمركية والقوانين الحمائيّة على اقتصادنا والتعامل معها في مجالات المخابرات والاستعلامات ومقاومة الجريمة المنظّمة.

ولكنها ستطالبنا أساسا وطالبتنا بالقيام بإصلاحات في عديد المجالات والمطلوب هو أن نتعامل مع هذه المطالب باستحضار المصلحة الوطنية وما يمكن ان يتحقق من ورائها، ضمن التوجهات الكبرى والمسارات التي تختارها القيادة الوطنية في البلاد. وهناك من يعتبر هذه المفاوضات خطيرة على السيادة الوطنية وتأشّر إلى رجوع الاستعمار عن طريق الاقتصاد وهذا يمثل قصر في النظر و قبول بالانغلاق والعزلة المدمّرة أو يتوهم أن البديل هو التفاوض مع بلدان مثل الصين وماليزيا وكوريا و غيرها ويعتقد أن الأمور ستكون أسهل مع هذه البلدان وهذا وهم خطير لأنّ الأصل أن نتعامل ونتفاوض مع الجميع في حدود المصلحة الوطنية لبناء دولة العلم والرخاء التي جعلت منها الوثيقة التوجيهية للحكومة الحالية الهدف الأسمى للخماسية القادمة. 

ويغيب اليوم على الساحة الوطنية التقدير الاستراتيجي للخيارات الكبرى في كافة مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وارتباطها بتطور القطاعات الحوية الكبرى كالفلاحة والصناعة والتكنولوجيا والسياحة وغيرها ، وهي قطاعات لها تأثير على أمننا القومي واستقرار البلاد وتطوره. وهو ما يجعل المفاوض التونسي أقل قدرة على تقدير الخيارات الأسلم لضمان التوجهات الآنية والمستقبلية الكفيلة لمستقبل أفضل.

المراجع المعتمدة
www.aleca.tn
www.lexpertjournal.net
www.averroesafras.com
www.lexpertjournal.net