القائمة

تونس الآن

تونس الآن

حركة النهضة في ندوتها السنوية الثانية: أولوياتها وطنية لا يربكها خصومها

حركة النهضة في ندوتها السنوية الثانية: أولوياتها وطنية لا يربكها خصومها

محمد القوماني

كاتب وناشط سياسي

بدا السقف المضموني للندوة السنوية الثانية لحركة النهضة من خلال الخطاب الافتتاحي للشيخ راشد الغنوشي والبيان الختامي للندوة، أرفع من “التهارج السياسي” اليومي والمناكفات الحزبية والشخصية التي حجبت الحوار في القضايا الوطنية وتمايز المقاربات في معالجة المشكلات. فحزب النهضة مُصرّ على الالتزام بالأولويات الوطنية التي يقتضيها واقعه و تفرضها مسؤولته، وهي المثبّتة في لوائحه وبياناته والتي لا يفتأ قياداته يذكّرون بها. وهو لا يغفل في آن عن محاولات الإرباك التي تستهدفه ولا تكاد تتوقف من جهة أخرى، لجرّه إلى مربّعات لا طائل من ورائها ولا حظ للوطن فيها. وهذا المشهد الذي عكسته الندوة السنوية الثانية لإطاراته المنعقدة بالحمامات نهاية الأسبوع المنقضي، من خلال فعالياتها ورسائلها.

حزب وطني

انعقدت بالحمامات الندوة السنوية الثانية لإطارات حزب حركة النهضة يومي 27 و28 أكتوبر 2018. وقد شارك في الندوة نحو 900 إطار حزبي من المنتخبين أساسا، سواء داخل الهياكل الحزبية على غرار أعضاء مجلس الشورى المركزي ورؤساء مجالس الشورى الجهوية والكتاب العامين الجهويين والمحليين وممثلي الجالية في الخارج، أم المنتخبون من الشعب مثل أعضاء كتلة النهضة بالبرلمان ورؤساء كتلها بالمجالس البلدية. إضافة إلى أعضاء المكتب التنفيذي وأعضاء الحكومة المنتتمين للنهضة.

كان الحضور في حدّ ذاته تجسيدا لحقيقة لم يعد ينكرها إلا جاحد، وهي أنّ حركة النهضة تعدّ الحزب الأول في تونس، فهذا التنظيم الشعبي الذي تعزز حضوره بعد الثورة من خلال العمل القانوني والمشاركة في الحكم، يعدّ مكسبا وطنيا وأحد دعامات الديمقراطية وأحد ضمانات الاستقرار السياسي. وقد تعزز البعد الوطني لحركة النهضة من خلال نتائج الانتخابات البلدية التي أكدت تموقعها  كحزب وطني جغرافيا واجتماعيا وسياسيا.

كما أنّ لحزب النهضة مرجعية فكرية مميزة، وتجربة تنظيمية، لا ينفك يطوّرهما من مؤتمر إل آخر بتطور الواقع والتجربة. وقد خصص المشاركون جزءا من حواراتهم وتوصياتهم إلى  ملف تطوير الحزب. كما خصص الغنوشي جزءا من خطابه الافتتاحي لخصائص حزبه ووعد بمواصلة الحركة تقدّمها في مسار تنزيل ملفّ التّخصّص وتعهّد  بإصلاحات لتطوير الجهاز التنفيذي عقب الندوة.

اهتمامات وطنية

إنّ التموقع الجديد لحزب  النهضة يفترض أدوارا جديدة وإضافية، لعلّ أبرزها مسؤوليته في تقديم برامج ومقترحات للمساهمة في رفع التحديات الاقتصادية واجتراح الحلول الأفضل للتداعيات الاجتماعية للإصلاحات المتأكدة على هذا الصعيد. وقد شدّد الغنوشي في خطابه على “مسؤولية الأحزاب السياسية في العمل من أجل تعزيز مساهمتها في إدارة الشأن العام، والاهتمام أكثر بقضاياه، وتقديم الحلول المناسبة لمشاكل التونسيات والتونسيين، وتحسين مستوى عيشهم، وخاصة الفئات الضعيفة والهشة والجهات المحرومة”.

1 ـ أولوية الملف الاقتصادي

أوصى المشاركون بإعطاء الأولوية في توجهات الحكومة للملف الاقتصادي والاجتماعي واستحضار معاناة عموم التونسيات والتونسيين. و تسريع الحوار الاقتصادي والاجتماعي لتحقيق توافق على هذا الصعيد لا سيما فيما يتّصل بالإصلاحات الكبرى،  والتقدم بمقترحات عملية لصالح الفئات الشعبية خاصّة حول العاصمة والمدن الكبرى والجهات المهمّشة في علاقة بالصحة والتعليم والنقل والسكن وغيرها.

وكان الملف الاقتصادي حاضرا بقوة في الخطاب الافتتاحي لرئيس الحركة الذي رأى أنّ مشاكل تونس الاقتصادية والمالية قد يسهل حلّها، ضمن أفق أوسع من حدود تونس وامكانياتها ومواردها،  ودعا إلى انطلاق قطار اتحاد المغرب العربي، واقترح مؤقتا إقامة سوق مشتركة بين الجزائر وتونس قاعدة للانطلاق. كما أكد على العلاقات التونسية الأفريقية  واقترح خصها بوزارة، تسمى “وزارة الشؤون الأفريقية”. بل أعلن الغنوشي  بهذه المناسبة، أنّ حزبه  بصدد تكوين فريق من الخبراء ومن الكفاءات الوطنية، من داخل النهضة ومن خارجها، لإعداد رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة، لتونس في أفق سنة 2030، يتمّ عرضها على التونسيين ضمن البرنامج الانتخابي لسنة 2019.

2 ـإنجاح الحكم المحلي

ذكر رئيس الحركة في الافتتاح أنّ “النجاح في الانتخابات المحليّة الأخيرة، وضع الحزب أمام اختبار جديد، لمدى قدرته على تقديم الإضافة النوعيّة في مجال الحكم المحلي، وفي تقديم جيل متميّز من القيادات الشعبيّة، يتبوّأ فيه الشباب والمرأة نسبة عالية ومواقع متقدمة”.

واعتبارا لأهمية إنجاح تجربة السلطة المحلية تنزيلا للباب السابع من الدستور،  وإعطاء لنماذج تطبيقية في تحسين عيش المواطنين عبر التشاركية واللامركزية، شدّد المشاركون على إيلاء السلطة  المحلية عناية خاصة، وأوصوا بجعل إنجاح تجربة البلديات الأولوية الرئيسية للحزب وأطره المركزية والجهوية والمحلية، وإعطاء أمثلة تطبيقية في النجاح في خدمة الناس وإسعادهم في النظافة والعناية بالبيئة والبنية التحتية والخدمات، وحسن إدارة التعدّد والاختلاف في المجالس البلدية خاصة التي تحظى النهضة برئاستها أو بالأغلبية فيها.

3 ـحديث الأخدود أو استكمال مسار العدالة الانتقالية

لمّا كانت العدالة الانتقالية استحقاقا دستوريا وأحد أهم أهداف الثورة وشرطا أساسيا للمصالحة الوطنية وإنجاح المسار الديمقراطي، فإنها أخذت حيزا بارزا في خطاب الافتتاح. واعتبارا لما يلفّ هذا المسار من تعقيدات ومناكفات قبل شهرين من إنهاء هيئة الحقيقة والكرامة لأعمالها، جدّد الغنوشي تمسّك النهضة  “بإتمام مسار العدالة الانتقالية، وتسوية كلّ الملفات العالقة، حتّى إنصاف الضحايا وردّ الاعتبار لهم، كل ذلك في إطار السماحة والعفو، بما يعزّز الوحدة الوطنية، ويحقّق المصالحة الوطنية الشاملة”.

وفي هذا الصدد دعا البرلمان الى “تبني قانون للعفو العام عن الانتهاكات المرتكبة، حال الاعتراف وكشف الحقيقة والاعتذار، على ان تتولى الدولة جبر ضرر الضحايا وعائلاتهم”. وأردف قوله برفض “بقاء هذا الملف جرحا مفتوحا نازفا بشكل يقودنا الى توريث الثارات والاحقاد. آن الأوان ان نشق أخدوداً واسعا نردم فيه كل الأحقاد وننطلق الى المستقبل متخففين.”

وقد أثار هذا المقطع من الخطاب لغطا وتعليقات رغم ما فيه من حرص على استكمال المسار المعرّض للتهديد، وإعطائه أفقا مطمئنا للجميع، بتعهّد الدولة من جهة بضمان حقوق الضحايا وجبر أضرارهم التي ستقررها الهيئة، والصفح من جهة ثانية من الضحايا في نهاية المشوار، بعد إثبات الجرم وإقرار الحقوق واعتراف الجلادين واعتذارهم، وردّ الاعتبار، لتحقيق المصالحة وطيّ صفحة الماضي وعدم العود إليها، برمي الانتهاكات الجسيمة والأحقاد في “أخدود”. وهذا منتهى مسارات التجارب الناجحة في العدالة الانتقالية.

4 ـ ومسائل أخرى

شكلت الأزمة السياسية التي تعرفها البلاد منذ أشهر بتعقيداتها المختلفة، أحد محاور الندوة وفقرات من خطاب الافتتاح. ولم يخرج المضمون عموما عن التذكير بالمواقف المعلنة من حركة منذ مدة. فتم التأكيد على  “تمسّك الحركة بتثبيت التوافق والتشارك خيارا استراتيجيا” وهذا الموقف من التوافق كما ذكر الغنوشي “نابع من إرادة لتدعيم المسار، لا القطيعة أو التنكر لعلاقتنا برئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي نحيّي دوره الأساسي في الانتقال الديمقراطي والتصدي لمخططات الفتنة عبر خيار التوافق والعيش المشترك بين التونسيين.”

وفي هذا السياق تتنزل إشارة الغنوشي على أن النهضة سنتفاعل مع المبادرة التشريعية الرئيسية حول المساواة في الميراث “باقتراح التعديلات الضرورية، التي نراها تلائم مقتضيات تفاعل النص مع الواقع دون تعسف أو وصاية على مفاهيم الحرية والحداثة أو رغبة في توظيف مسائل الهوية لتحقيق مغانم سياسية على حساب الوحدة الوطنية”.

كما تمّ التذكير بتمسك النهضة بالاستقرار الحكومي والاكتفاء بتعديل وزاري في أقرب الآجال في علاقة بالآني، والتشديد على النهضة ستظل  ملتزمة برفض منطق الهيمنة والإقصاء، حريصة على الشراكة والتوافق والوحدة الوطنية، مهما كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، ومهما كانت نتيجة النهضة، في علاقة بالبعيد المدى.

إرباك الخصوم لأولويات النهضة

هكذا بدا خطاب النهضة مستحضرا للأولويات الوطنية كما يراها، مجتهدا في بيان معالم معالجتها في مفتتح سنة سياسية انتخابية مميزة. وهذا ما استدللنا عليه ببعض مواد الندوة التي طبخت على مهل، وكذلك خطاب الغنوشي المقروء، في صيغة لافتة. لكن المناكفات الحزبية والسياسية عموما التي تتخذ في الغالب حركة النهضة محورا لها، تتدخل بأقدار في فرض يوميات تبدو في نشاز مع هذه التطلعات الوطنية.

إذ يحرص بعض خصومها عبثا كما قال الغنوشي على  “استصحاب خطاب المخلوع وسياساته في التعامل مع حركة النهضة، باعتبارها ملفّا أمنيا وليست حزبا سياسيا وعمقا اجتماعيا وثقافيا، وفاعلا وازنا في المشهد السياسي”. وهو ما بينا بعض مؤشراته في الحديث عن النهضة حزبا وطنيا.

فحرص النهضة على التوافق والإدماج ورفض الإقصاء والمصالحة مع العائلة الدستورية التي تقبل بشرعية الثورة ودستورها ونظامها السياسي، ودعم المشترك مع مختلف العائلات الفكرية والسياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وعدم الاكتفاء بنتائج الانتخابات في اعتماد الشرعية السياسية وتشكيل الحكومة، تقابله بعض الأطراف التي “تسبح ضدّ التيّار، وتعمل على خلاف المطلوب الوطني”، بمحاولة تلويث الفضاء العام. فهي تعمل على”استغلال المستجدات السياسية للرجوع ببلادنا إلى خطاب الكراهية والحقد والاستئصال والتشويه، وافتعال القضايا والتلهية عن الأولويات الحقيقية للوطن والمواطن، والاستثمار في الدم  بدل المساهمة في بناء تونس وتطوّرها”.

لم يفلح بن علي  في الداخل أو في الخارج في الإقناع  باتهام حزب النهضة بالإرهاب، رغم كل التلفيقات والإغراءات على هذا الصعيد. فاحتضنت مختلف بلدان العالم، لا سيما أمريكا وأروبا، المهجّرين من قيادات النهضة وأنصارها، ولم بستجيبوا لدعاية النظام وبطاقات الجلب ضدهم. كما منح جزء هام من التونسيين بعد الثورة ثقتهم لحزب النهضة وجددوا ذلك في البلديات الأخيرة. لذلك يبدو الاشتغال مجدّدا على وصم النهضة بالعنف والإرهاب عملا بلا جدوى وتكرارا لما ثبت فشله.

ختاما

يحوز الردّ على اتهامات الخصوم وتفنيد أباطيلهم جزءا من العمل السياسي اليومي لحركة النهضة، لكن يبقى العمل الأنجع في التمسّك بالأجندة الوطنية ومعانقة مشاغل الناس وأشواقهم والاجتهاد في خدمتهم وإسعادهم. وتبقى صناديق الاقتراع أفصح من كل بلاغة يصطنعها خصوم النهضة في منابر إعلامية متنوعة تعدّ في أغلبها لنفس الغرض.

محمد القوماني