القائمة

تونس الآن

تونس الآن

في الذكرى الخامسة للانقلاب العسكري في مصر: "النخب الحداثية" وسقوط الأقنعة

في الذكرى الخامسة للانقلاب العسكري في مصر: "النخب الحداثية" وسقوط الأقنعة

لطيفة شعبان

مدونة وأستاذة تعليم ثانوي

من مفارفات الدهر أن يصبح الاستبداد والانقلاب على إرادة الشعب سلوكا مشروعا يصفق له دعاة الحرية والديمقراطية في كل من مصر وتونس.

من المفارقات, لان هذين البلدين نجح شعبهما في إسقاط أعتى الأنظمة الاستبدادية التي عرفها العالم المعاصر وبالتالي فقد ذاق شعبهما مرارة الاستبداد وعلقم الظلم والطغيان, وكان من المنتظر أن من ذاق ويلات دولة ما قبل الثورة أن يمضي قدما في إنجاح المسار الثوري بالمحافظة على المكتسبات الجديدة المتولدة عن الثورة ومواصلة الحراك من أجل القضاء على كل آليات الدولة العميقة .

لكن ما كشف عنه وقائع الانقلاب على الرئيس المنتخب وما صحبه من أحداث دموية في ميداني رابعة والنهضة يخالف هذا التصور.

لقد كشفت هذه الأحداث عن حقائق ما كانت كل كتب العالم وخطابات الساسة وتحليلات المحللين لتكشفها لولا ما تم في بعض أماسي شهر جويلية 2013. لقد كشف يوم 3 جويلية 2013 عن رسوب هذه الأطراف في أول امتحان لها فتهاوت شعاراتها وخطاباتها فجأة كما تتهاوى صروح قصور من الرمل على شاطئ ذات مساء صيفي.

ألم يكن حريا بهذه الأطراف أن تثمن الانجاز الشعبي المتمثل في إقباله على الإدلاء بصوته بكل شغف وطواعية منتظرا الساعات الطوال أمام مكاتب الاقتراع. لقد كان حبر الاقتراع مبعث فرحة لم تسبقها فرحة, فرحة أم بوليد طالت طلته, أم أقنعها كل أطباء العالم باستحالة قدومه لكن إيمانها باستحالة الاستحالة أحال المستحيل ممكنا والحلم واقعا والأمل انجازا.

في غمرة هذه الفرحة الشعبية انبرت أقلام وأصوات تنغص على الشعب فرحته بوليده وتسخر من اختياره وتتفه انجازه و تحقر إرادته ليصحو في مصر ذات مساء من أماسي التنكيل بإرادته على وقع أقدام العسكر و تهليل النخبة الحداثية, ليكشف هول المطلع, لقد اكتشف أن الإرهابي الذي حاولت القوى الحداثية رسمه في الأذهان لم يكن سوى شخصية مغشوشة.

لطالما صورت كاميرات السينما وشاشات التلفزيون ومقالات الصحف ذلك الإرهابي الملتحي, ذي السامة السوداء على جبينه من أثر السجود, المتكلم باسم الله وباسم الدين, على أنه عدو الديمقراطية, كافر بنعمها, ناكر لفضائلها, جاحد لمزاياها. لقد أضحى في الأذهان ترابط متلازم بين المتدين والعنف, ذلك المتدين عدو الحرية ولكل نفس تجديدي انه ذلك الشخص الذي لا يعيش إلا في الظلام, طائر من طيور الظلام الساعية دائما إلى الخراب والدمار كفرا بنعمة الحرية والحداثة.

ولكن كان مساء 5جويلية 2013 في مصر مساء مغايرا لكل الاماسي , مساء يحمل حقيقة صادمة, مساء يحمل انجازا أذهل العقول كما لم تذهلها غزوات الاسكندر وأهرامات الجيزة وتمثال رمسيس الثاني. لقد حمل مساء 5جويلية 2013 الصورة الحقيقية للإرهابي , لقد اكتشف الشعب فجأة أن الصورة النمطية عنه لم تكن سوى خدعة سينمائية وفبركة إعلامية, لقد اتضح أن الإرهابي يلبس "الكرافات" ويشرب أرقى أصناف المشروب حله وحرامه, يركب "الشوفروليه" ويتصدر القنوات التلفزية, اجتماعاته تحت أنوار كاميرات الإعلام, يطل عليه كل مساء ليشبعه حديثا عن الديمقراطية وعن حق الشعب في اختيار من ينويه و بأن صوت الشعب حق مقدس, كل مساء يطلون عليه ليثمنوا له انجازات الشعوب الأخرى التي اختارت ممثليها بكل حرية ولا يفوتون فرصة تحذيره من خطر "أعداء الديمقراطية", "أعداء الحرية والحداثة" أولئك الذين يلبسون أزياء من التاريخ ولحيهم من التاريخ وأقوالهم وأطروحاتهم عفا عنها التاريخ. لقد كان مساء 05جويلية 2013 مساء تاريخيا لأنه كشف عن حقيقة لم تكن مجلدات العالم لتكشفها, لقد كشف الأقنعة وعرى السرائر, كشف كيف أن الحقد الأعمى على "الاسلاميين" يمكن أن يصل إلى حد التهليل والتصفيق لأحذية العسكر وهي تدعس المسار الديمقراطي الذي بناه جيل الثورة, تدعس الانجاز الذي شيدته حناجر هذا الشعب وسواعده, ذلك الانجاز الذي دك صروح الاستبداد وهدم بنيانه.

ولكن لا تعلم هذه الأطراف إنما هي بذلك تقوض كل أطروحاتها وشعاراتها المدافعة عن الديمقراطية والمطالبة بحق الشعوب في الانعتاق من الاستبداد. لقد كشف ذلك المساء المشهود عداوة هذه الأطراف لكل نفس تحرري وأثبتت للعيان وبما لا يدع محالا للشك بأنها تيارات لا ترى من سبيل للتغيير سوى الانقلاب على إرادة الشعب ودعس صوته ورمي اختياره تحت أقدام العسكر, بالمقابل كشفت هذه الأحداث عن مدى تمسك خصومهم بالديمقراطية التي طالما نعتوا بأنهم أعداءها.

لقد أثبت الإسلاميون بكل من مصر وتونس بأنهم الأكثر صدقا والأكثر وفاء لأصوات من انتخبهم, و تمسكهم بالشرعية ليس تمسك بالسلطة بقدر ما هو تمسك بحق من انتخبهم في رؤية اختياره يتجسد على أرض الواقع, انه تمسك بحق وليس بمكسب.

وإذا كان مسار الثورة لا يزال مستمرا, وإذا كانت الثورات لا تنجح إلا بعد هزات وتعطيلات فان يومي 3و 25 جويلية 2013 ليست ككل الأيام فليت كل الأيام ك3 و 25 جويلية أيام كشف العورات وتعرية الحقائق.