القائمة

تونس الآن

تونس الآن

نضاليات: برج الرومي ماي 1991

نضاليات: برج الرومي ماي 1991

نصر الدين بالسعد

كاتب تونسي

الدّيك فقط .. هو الذي يؤذّن (الجزء1)

حين نادوْا على أسمائنا بعد نصف ساعة من دخولنا الغرف مساء ذلك اليوم، أدركنا أنّها الترحيلة فقد كان اليوم يوم أحد .. لا هو يوم الزيارة ولا القفة ولا هو يوم الاستحمام أو أيّ نشاط داخلي في السجن، إذ صدر الحكم علينا بعد سلسلة ماراطونية من جلسات المحاكمة ولم يَبْلغنا مدّة محكوميّتنا، فنحن في دولتهم لسنا من بني الإنسان ولا تنسحب علينا منظومة الحقوق التي يتشدقون بها في كل محفل.

حُشرنا في الصناديق السوداء .. المَطليّة من الخارج باللون البنّي الفاقع والتي لها شكل عربة !!، وغادرنا لا ندري في أيّ اتّجاه ولا يمكن التّفرّس بذلك فالظلمة داخل الصندوق حالكة والحرارة مرتفعة والعرق بلّل الثياب والخضّ على أشدّه والتنفّس يضيق لدرجة الاختناق والغثيان .. هذه هي التباشير الأولى لرحلة المعاناة. كنّا نضرب بقوّة داخل العربة كيْ تُفتح الكوّة التي بيننا وبين غرفة القيادة .. وبعد جهد ولأواء يفتح بكل هدوء غير عابئ بنا:

ـ ما بكم؟
ـ نرجوكم اختنقنا .. فينا من أغمي عليه .. أتركوا الكوّة مفتوحة
ـ "ما عنّا ما نعملولكم .. ماو من فعايلكم تستاهلوا الشنق"!! 
ـ ...... !! 
ـ لن نتوقّف إلاّ مرّة واحدة .. وقد وصلنا 
وقف الصندوق وسكن الهدير وعمّ الصمت المطبق .. يبدو أننا في غابة. 
ـ قال أحدنا: أظننا في بنزرت .. لم تكن المسافة طويلة 

حين نزلنا صرَدَنا الهواء البارد حتى قرّ في عظامنا .. أو ربما لم يكن باردا، فنحن نسبح في العرق بثيابنا. أُدخِلنا السجن بالانتهار والسبّ الصّاخب وأيدينا مغلولة بعضها إلى بعض بالخلاف .. كما شدّوها في البداية بجهد أخذ منهم ومنّا، يتعيّن علينا الآن الصبر نفسه حتى تُنزع.
سُلّمت الأمانة لزبانية السجن الجديد مع التوصيات:

ـ "ما نوصّوكمش عاد .. قوموا بالواجب معاهم !!"
ـ "هاذا حديث؟؟ تهنّاوْ عليهم .. ما عندكم كان الرجال يا حيدوسي "
ـ "أيّا ليلة سعيدة .. ربّي معاكم"

كنت أسمع الحوار ونحن في البهو الداخلي ولم تشدّ انتباهي إلاّ كلمة ربّي معاكم !!

لم أجد لها في نفسي وكياني وعقلي ووجداني مساغا .. قلّبت تأويلها أنّى ذهبت المذاهب .. لم تُقبل. هؤلاء الزبانية التعساء مُظلمي الوجوه يطلبون العون من الله على إذلال البررة الصادقين وإذايتهم وتعذيبهم .. وحتى قتلهم لو اقتضى الأمر !! في أيّ شرعة سماويّة سأجدها ؟ وأيّ عقل وأيّ منطق إنساني سيحتويها ؟ وفي أيّ قانون بشريّ سأعثر على من سطرها وحشرها في طيّات السجلّات واللوائح ؟ .. 

قطع بي التأمّل صوت مزلاج الباب الضخم الذي فُتح في وجوهنا كأنه جهنّم تستقبلنا .. دَلفنا متفرّقين متوجّسين نتطلّع لتحزير المكان .. أسرّ عم بشير ذو الأربعة عقود للمجموعة:
ـ هذا برج الرومي .. أعرفه جيّدا 

وما إن جُزنا السقيفة إلى الساحة حتى هالنا ما رأينا .. مجموعة من الأعوان والجلاوزة المنتشرين هنا وهناك يتوسّطهم رجلٌ رَبْعة يسبقه بطنه، قد فرّج بين رجليه في وقفة متصلّفة رافعا رأسه ويداه خلف مؤخّرته .. فعلمنا بديهة أنّه مدير السجن، ذلك أنّ في العقلية المتخلّفة لهؤلاء الأنذال الذين تمكنوا من رقاب العباد ومصائر البلاد، أنّ المسؤول يكون بهذه الصورة والوصف.

لقد حُشر لمدير السجن جنوده من الأعوان والحُراس فهم يوزعون .. هذا إيذان ببدء الحفلة !! 
تقدّم بين يديّ المدير أحد الأعوان وزمجر بصوت حشرجيّ مَقيت: 

ـ " شدّ في الزوز .. وراسك اللوطة ويديك لتالي .. واسمع اسمك"

بدأت المناداة .. وكلّ من سمع اسمه يتقدّم إلى الجانب الآخر من الساحة لإتمام الإجراءات الداخلية لديْهم .. لكن عليه أن يمرّ بالجوقة المصفوفة عن يمينه وشماله وهي على أتمّ الاستعداد وتتحرّق شوقا للضرب والركل والصفع مع بعض المنكّهات والأفاويه البذيئة من السبّ والشتم .. وانطلق المشوار واستوى العشريني مع الستّيني في "أخذ المصروف" ..لا يجوز في شِرعتهم الرأفة والرحمة .. بل يتسابقون ويتعاندون أيّهم يجتهد في الضرب والشتم أكثر من زميله .. فالمدير واقف وهو يلاحظ جهده فيزيد في منحة مردوديّته وربما يُلحقه بقائمة الترقيات !! 

عن أيّ رأفة تتحدث يا صاح؟ وعن أيّ رحمة؟ 

لقد أعلمنا الله في كتابه وبيّن لنا أنّ هؤلاء القوم لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمّة .. وإن كانت لدى أحدهم نفحة من إنسانيّة تحرّكت كرها أو طوعا.. أو استفاقة ضمير ران عليه الحقد والبغضاء، فليس في هذا الموطن الجماعيّ المكشوف، بل بدَخيلة مَخفيّة في خلوة يحدّها حيطانٌ أربعة وسقف من فوق مع إسرارٍ في الصوت وتشييع للنظر يمينا وشمالا !! لأنه لو ينكشف الوجه الإنساني السامي لدى هؤلاء، يُلحق بنا .. فهي جريمة لا تُغتفر وتواطؤ للذئب مع الحَمَل ..

الديك فقط .. هو الذي يؤذّن (الجزء2)

بعد "طريحة" الاستفتاح الأولى على أيدي الأعوان، ملازمين ورقباء وسجّانين .. ونحن نتّقي الهراوات والركل في أيّ موضع من أجسادنا، فكلّها مباحة حتى ما يحرسه الفخذان في غيْهَبِهما .. ومن ليس في يده هراوة كان يصفع على الوجوه والأعناق .. الكل مارس فينا هوايته كما يشتهي. كان تقليدا أو على الأصحّ سياسة متّبعة في السجون التونسية ـ وأظنها في كل العالم كذلك ـ لترهيب السجين باديَ الأمر استهدافا لمعنوياته حتى لا يحدّث نفسه بأكثر من العبودية في رقبته والحيوانية في حاجاته .. وكي لا يفكر بالتمرد والاستعصاء في التعامل مع القوانين الداخلية الصارمة للسجن.

حسِبنا الحفلة قد انتهت، وقد اكتفوْا وأخذوا حظّهم .. غير أنّ المدير له نصيب كذلك، تقدّم نحونا بكل ثقة مزيّفة مُكفَهِرّا مقطّب الجبين وعن يمينه ملازم أّوّل لا يقلّ عُبوسا عنه، وعن شماله حامل الدفاتر .. كأنّهما الرقيب والعتيد. قلت في نفسي ليت شعري فهل سيرضى هذا الجعظريّ الجوّاظ بغير نصيب الأسد في استباحتنا؟ 

تهيّأنا لما هو أسوأ وربطنا الجأش استعدادا للمذبحة .. كانت فرقة الطلائع مصاحبة بالكلاب قد دخلت الساحة مع تقدّم المدير نحونا.. سرى الرعب في كياننا وحامت حول رؤوسنا أطياف مبهمة كأنها طيور بيضاء في شكل أكفان شفّافة وأيقنّا الهلاك. بدأ بأوّل الصفّ، كان يسأل كلّ واحد منّا عن اسمه وتهمته ومدة محكوميّته .. ومع كل سؤال صفعة مدوّية والويل لمن أبعد وجهه أو اعترض بيده. عم حمادي ذاك الرجل الأسيف الضعيف سقط من الصفعة الأولى فأقاموه وسوّوه في الصف من جديد ولم يشفع له ذلك في استكمال نصيبه من الصفعات حتى أغميَ عليه. تقدّم نحوه أحد الإخوة واحتمله، فلم يُمهلوه حتى انهالوا عليه ضربا وسبّا مقذعا وهو يردّ عليهم ويصيح "رجل كبير في مقام أبيكم .. ارحموه" كلما صاح ارحموه .. ألقموه العصا في فمه حتى خمد.

كنت في وسط الصفّ تقريبا وكان بجانبي مؤسس المنظمة الطلابية من الصف القيادي الأول، قلت يتساهل معه أو يتخطّاه إليّ .. وكانت المفاجأة أن وصل إليه وحطّ عليه جام غضبه في الصفع يمينا وشمالا حتى أخذ منه اللهاث .. لا بد أنه عرفه فقد طبقت شهرته الآفاق. كان صامدا صابرا يجيب بكل ثبات عن السؤال قبل الصفعة وبعدها، ودخيلة نفسه ربّما تقول "الحمد لله الذي سوّاني مع إخواني في هذا الموقف". أما عنّي فلا تسل عن حالي ورفيف هواء الصفعات التي يكيلها له يسري مداعبا وجنتي .. ارتعبت وشددت على أضراسي وصلّبت فكّي وقلت هي ثلاث أو أربع صفعات لأصمدنّ لهن، غير أنّه وصل إليّ فاترا ونلت صفعتين فقط ومرّ إلى الذي يليني.

اكتمل النصاب وكلٌّ أخذ النصيب .. قلنا انتهى الأمر وصار إرسالنا إلى مكان إقامتنا أسمى أمنياتنا .. غير أنّ فرقة الطلائع لها رأي آخر .. كانوا واقفين عند المدخل والكلاب مُقْعِية هادئة .. فتحرك رئيسهم وأشار إليهم وأعادوا الانتشار في الساحة محفّزين كلابهم وقد أطلقوا عقيرتها للنباح المجنون. بلغت القلوب الحناجر وظننّا بالله الظنون .. الليلة المذبحة .. رحمنا الله وأكرم مثوانا وحسّن مُدخلنا فقد استيقنّا خاتمتنا. في كل لحظة ننتظر إطلاقها علينا فقد كانت تقفز وترمي بنفسها نحونا مُغالبة لربّها الذي يردّها إلى الخلف بجهد. 

الحمد لله .. كان هذا عرضا إرهابيّا .. وإعلانا جهريّا .. ورسالة مستبطنة قد فهمنا مغزاها. إنهم جيراننا في هذا السجن !! وسيستوْصون بنا خيرا إن شاء الله .. فنحن نعلم واجب الجار تجاه جاره !!

اقتيدت المجموعة وقد أرخت العتمة أستارها إلى الجناح الذي سنسكنه .. اعتقدنا أنهم سيوزّعوننا على عنابر الحق العام كما الشأن في سجن تونس، لكنهم جنحوا بنا إلى مكان معزول نسبيّا عن بنايات السجن وأدخلونا بالضرب والركل والشتم الذي لم يستثنِ أمّا ولا أبا ولا أختا.. تفرّقنا في الغرفة الطويلة عشوائيّا بأغراضنا وحقائبنا كما شئنا لا كما شاءوا. 

تقدّم المدير بين أيدي جلاديه فأطبق السكون وساد الوجوم وعنت الوجوه .. 

ـ أين "الخضّار" ؟؟ 
ـ حاضر .. (رافعا يديْه)
ـ أنت من اليوم "كبران الشمبري" (يعني رئيس الغرفة)
ـ وأين ذلك الأستاذ الجامعيّ؟؟ 
ـ حاضر .. (رافعا يديْه)
ـ أنت من اليوم "كبران كُرفي" (يعني رئيس تنظيف الغرفة)

فعل ذلك إذلالا لنا .. فهمنا القصد، ثم خرج يتبعه الغاوون من أعوانه، ثم أغلقوا البوّابتين دوننا وتباعد صوت وقع أحذيتهم شيئا فشيئا .. تنفّسنا الصّعداء وارتمى بعضنا على بعض نتعانق ونسلّم ونصافح كأننا التقينا بعد غياب .. بل وُلدنا من جديد. 

أذكر جيّدا ذاك الموقف المهيب السامي الذي يعبّر عن طينتنا النقيّة وأصلنا المُعتّق ومعدننا النفيس .. أوّل شيء فعله ذاك "الخضّار" الأخ لطفي أن اتّجه نحو الأستاذ الجامعي وكان يُدعى بلخوجة والْتَزَمه وضمّه إليه وقبّل رأسه وقال: أنت أخي وسيّدي ومولاي و"كبراني" ...

الديك فقط .. هو الذي يؤذّن (الجزء3)

... كانت الغرفة التي أسكنونا فيها رحبة وطويلة مقارنة بغرف السجن المدني بتونس، كانت بعرض ستة أمتار على عشرين متر تقريبا، وكانت الأسِرّة مصففة يمينا وشمالا وفي آخر الغرفة فسحة واسعة اتّخذناها مسجدا، تنتهي إلى جدار نصفي خلفه حوض تجميع الماء وثلاثة أكنفة عارية منزوعة الأبواب. كان هذا التصميم مثاليّا لمجموعتنا التي تَعُدّ قرابة الأربعين سجينا. بعد تعارفنا في الأيام الأولى اكتشفنا أننا أشواب من مشارب شتّى، فينا مجموعة من ستة أفراد يطلق عليها آنذاك الجبهة الإسلامية، حوكموا قبلنا في النصف الأوّل من سنة 1990 .. ومجموعة أفراد من حزب التحرير، وألحقوا بنا ثلاثة عناصر ممّن حوكموا في قضيّة ما عُرف بمجموعة "ماء الفرق". كان شوقنا لبعضنا جارفا ورابطة الإيمان بقضيّتنا العادلة أقوى من توجهاتنا الذاتيّة، ورزوحنا جميعا تحت نيْر عصابة إجراميّة واحدة يُلغي الفُروقات الخلافيّة بيننا. كنا نصلّي جماعة خلف إمام واحد ونؤذّن لكل صلاة .. وكنت مؤذّن الغرفة وحاديها وشاديها وقارئها .. بمعيّة الأخ صادق الرائع .. وكنّا نأكل في مجموعات رُباعيّة وسُداسيّة ونقتسم ما يُرسل أهلونا من الطعام واللباس والمال بالسّويّة .. كان النظام في الغرفة مُحكَما. اتّخذنا أميرا قيّما عامّا للغرفة، وكلّف هو بدوره أمينا يُشرف على تقسيم الطعام وحاجيّات المشرب والمقصف، يُعينه اثنان من الإخوة .. كنّا على ما يشتهي الصديق ويكره العدوّ حتى أدركنا رمضان الكريم فأطّلت الفتن بأعناقها وكادت تعصف بلُحمتنا وانسجامنا لولا حكمة أمير الغرفة وحزمه في رأب الصدع .. لم تكن المسألة ذات شأن، في السّحور قدّرنا وقت دخول الفجر وأمسكنا قبله بقليل .. خالف البعض وظلّ يأكل ويشرب حتى الأذان .. والذي زاد في حُنقنا واستهجاننا أن ينقضي الأذان والأشداق بعدُ تفعل فعلها في طحن الطعام ببرودة دم ولامبالاة. هذه الحادثة كانت بمثابة الشرارة الأولى التي اندلعت وخلّفت بعدها التدابرات الأولى التي أفضت فيما بعد إلى تكتلات متقوقعة فيما بينها. كان الذي تولّى مهمة توحيد الكلمة وتأليف القلوب وتقريب المسافات هو الأخ صالح الدريدي .. يحظى باحترام الجميع وكان له وقار ومقبوليّة لدى المخالفين .. التقى الجميع على المُشترك وقُمع أصل التدابر وسُوّيت نتوءات الخلافات بالأرض.

عاد إلينا مدير السجن سيّء الذكر بعد يومين أو ثلاثة من يوم استقبالنا المشهود، مصاحبا بثلاثة مساجين من الحق العام، عيّن أحدهم كبيرا للغرفة والثاني للتنظيف والثالث لم يعيّنه لكن عرفنا مهمته فيما بعد، إذ أعطاه مكان أحد الإخوة الذي يقاسم سرير الأخ عبد الكريم الهاروني القيادي في الحركة. استاء البعض وتوتّر الجوّ العام في الغرفة أوّل الأمر ثم اعتدنا على ذلك وعدّلنا تصرّفاتنا وسلوكنا بما يقتضي الوضع. 

يبدأ يومُنا حسب نظام السجن صباحا بفتح الغرفة للحساب. يدخل السّجان ويعطي رئيس الغرفة الإشارة للمساجين بالاستعداد للعدّ بقوله "احترااام" .. ثم يبدأ العدّ الخماسي في كل "ممشى" ويقارنه بما لديه في دفتره ويمضي .. عند العاشرة صباحا فما قبلها أو بعدها، نخرج للهواء في الساحة المحاذية لغرفتنا .. نصطف أوّل الخروج مثنى مثنى في صف طويل ونطوف بأعراض الساحة بانتظام دورتين أو ثلاث .. ثم يعطي السجّان الإشارة لكبير غرفتنا فيُقبل علينا ويصيح "برّا طيح" .. نفهم مراده بعد خبرة الأيام وننتشر في الساحة جيئة وذهابا ثم نعود لمهاجعنا مع منتصف النهار وقد أدخلت "الباكية" وهي قِدر الطعام ثم يُغلق علينا باب الغرفة الحديديّ العظيم فهي علينا موصدة. نتناول غداءنا ونصلّي الظهر ثم يخلد من يخلد منّا لنوْمة القيلولة "المقدّسة" لدى البعض .. ويتحلّق البعض الآخر للحوارات والنقاشات السياسية والفكرية والفقهية والشرعية .. وتنزوي مجموعات أخرى مثنى وثُلاث ورُباع لتحفيظ القرآن الكريم وتكراره.. إلى وقت صلاة العصر. بعد ساعتين من منتصف النهار تُفتح الغرفة من جديد للخروج الثاني إلى الساحة .. وربّما يُنادى على بعضنا للزيارة وتقبّل "القفة" .. ثم نعود إلى الغرفة مساء مع دخول "باكية" العشاء ويتمّ احتسابنا للغلق النهائي ليومنا .. نصلي المغرب ونتعشى ما رُزقنا من إدارة السجن أو ما صُنع لنا من أطايب أهالينا بعد اقتسامه لنا من إخواننا بالسويّة .. نصلي العشاء الآخرة ونأوي إلى مضاجعنا إمّا للنوم وإمّا للسّمر والإنشاد وتبادل صنوف الأدب من الشعر والنوادر وغيرها .. كان هذا نظام يومنا الروتينيّ الاعتيادي بلا منغّصات ولا تحرشات ولا إجرام من هذه العصابة المنحرفة التي تحكما في هذا الجبل. 

محمد الزغلامي هو اسم مدير السجن، واسم نائبه حسين الوشتاتي .. هذا الثنائي الإجرامي هو الأبرز رسوخا لدينا في تاريخ تلك الحقبة المظلمة والبقيّة تفاصيل. ما فعلاه بنا جدير بأن يُدوّن ويُسطر في القراطيس ليطّلع عليه القاصي والداني وتتداوله الأجيال بالتعاقب. لم تكن أيّامنا تلك تشبه الأيام .. ولا لياليها تشبه الليالي .. تطلع الشمس على الدنيا وعلينا لا تطلع .. يُصبّحنا الصبح فننكر بهاءه وجماله .. تلك السماء الزرقاء الرحيبة أنكرنا لونها وضاقت علينا أرجاؤها حتى بتنا ننظر إليها من خلال تلك المربعات الحديديّة التي تتخللها الأسلاك الشائكة .. ضاقت علينا أنفُسنا وتنمّرت لنا وهي التي بين جنبيْنا .. وتآمر علينا كل شيء يحيط بنا .. الأرض التي ندوسها بأقدامنا المتشققة الدّامية أضحت كأنّها القتاد والزجاج المتحطم نمشي عليه .. مضاجعنا التي نأوي إليها بعد لهيب السياط النازلة على ظهورنا وجنوبنا لا تريحنا أنّى قلّبنا أجسادنا المنهَكة .. الطعام الذي كنّا نتلذذه ما عادت حاسة التذوّق تعمل لدينا واضطربت باطّراد الصفعات العشوائيّة التي كانت خبزنا اليومي .. السقف والجدران هما الآخران ضاقا علينا بضيق قلوبنا .. كنت أبيت مسمّر النّظر في سقف الغرفة أحدّق في شقّ طويل غائر من شقوقه المتداخلة .. كانت خواطري وخيالاتي العذبة تسرح بي وتنفذ من تعاريج ذلك الشقّ وتعانق الفضاء الخارجي الحرّ حاملة أشواقي المتلهّفة إلى من أحب وأعشق .. بات الآن وكأنّه العملاق الجبّار الجاثم على صدري يعدّ أنفاسي ويقصف لَحْظي .. أشعر بالاختناق ألهج فتخرج تنهيدة عميقة يكاد ينخلع لها صدري .. يعود إليّ الحس والإدراك فأسترجع وأردد آيات من القرآن جذلة عذبة كأنّها أنزلت الساعة .. تسكن نفسي ويهدأ خاطري فأردّد "إنّ رحمة الله قريب من المحسنين" .. الله يعلم أننا أحسنّا حيث أساء الآخرون فلن تَرِد الرحمة إلا حياضنا ولن تسكن الطمأنينة إلا قلوبنا.