القائمة

تونس الآن

تونس الآن

هل وصل “السيستام” إلى مأزق؟

هل وصل “السيستام” إلى مأزق؟

محمد الحمروني

إعلامي تونسي

حتى لا نقول بأن استطلاعات الرأي الأخيرة وخاصة الصادرة عن “سيغما كونساي” فيها الكثير من التلاعب بالأرقام والمعطيّات وفيها تحوّلات “جنونية” في الاستبيانات وهي تحوّلات لم يستطع الزرقوني نفسه تبريرها…
وحتى لا نُتّهم بالتحيّز ضدّ مؤسّسات سبر الآراء، نكتفي بالإشارة إلى أن طيفا واسعا من الرأي العام في بلادنا يشكك في أدنى الحالات في نتائج تلك الاستطلاعات ويعتبرها موجّهة ومسيّسة وخاصة الصادرة منها عن “سيغما كونساي”.
ولكن هل يكفي هذا لشرح وفهم الصعود الصاروخي لبعض الأسماء في استطلاعات الرأي على غرار نبيل القروي وقيس سعيد وحتى عبير موسي، رغم ما يمكن أن يقال عن النتائج التي تحصّلت عليها؟ ألا تعكس استطلاعات الرأي شيئا من الحقيقة؟ ألا يجب أن نُسائل تلك الأرقام من زوايا أخرى دون إغفال فرضيّة التلاعب بالرأي العام؟

أسئلة نطرحها على أنفسنا وعلى الرأي العام في بلادنا في محاولة لإيجاد إجابات أشمل من مجرّد التلاعب.. وكأنّنا نكتفي بذلك بتحميل مسؤولية تلك النتائج لمؤسسات سبر الآراء وحدها.

صحيح أن هناك محاولات للتأثير في الرأي العام وتوجيهه في علاقة بالانتخابات القادمة، ولكن الصحيح أيضا أن الرأي العام في بلادنا، سئم من مشهد سياسي غلبت عليه الفوضى والتشويش والصراعات العبثية والرغبة في التموقع، زادت عليها أجندات إعلاميّة مركزة عملت على ترذيل السياسة والسياسيّين خدمة لأجندات الارتداد والنكوص إلى الاستبداد وجعل التونسي يكفر بالثورة وبكل من دفعت بهم الثورة إلى واجهة الأحداث حتى وإن كانوا من أبناء السيستام القدامى أو المحدثين. ولذلك يمكن لنا أن نفسر هذا الصعود الصاروخي لبعض الأسماء في استطلاعات الرأي كما يلي:
– تضاؤل ثقة التونسيين في “السيستام” الحالي حكما ومعارضة، بسبب النتائج الهزيلة التي تحققت في الفترة السابقة، وتواصل الصراعات السياسية وتدنّيها إلى درجة شكّلت صورة رديئة عن العمل السياسي وجعل المعارضة فلكلورية فاقدة للمصداقيّة، ولنا في جلسات المساءلة الأخيرة وما وقع من تدنّ في مستوى الحوار خير دليل، وخاصة جلسة مساءلة وزير التربية والمشادة التي وقعت بينه وبين النائبة عبو.

– للأسف أن حكومة الشاهد عمّقت الأزمة وزادت في عزلة “السيستام” بعد ظهور حزب الدولة الذي أعطى للتونسيّين صورة قاتمة عن المستقبل، وقدّم صورة سلبيّة عن النخب السياسية باعتبارها متكالبة على السلطة، ولا تتورّع عن الضرب تحت الحزام، واستعمال كل الوسائل لتشويه الخصوم أو تحييدهم. إضافة إلى أن الحكومة كانت أقرب إلى الهواية في معالجة الملفات التي تشغل بال المواطنين كالأسعار والتهريب والاحتكار، وفي أغلب الأوقات كانت معالجاتها محل سخط وغضب من عديد القطاعات والفئات.

– صورة تحيا تونس، سواء من خلال الوجوه القيادية أو العناصر التي شكّلت لجنته المركزية، باتت أقرب إلى صورة حزب الانتهازيين وليس المناضلين، بسبب صراعات التموقع التي لم تكن خافية وزادت حدتها في الفترة الأخيرة، حتى خرجت في المؤتمر الأخير إلى العلن. وزادت المهازل التي رافقت مؤتمره الأوّل سواء في مرحلته الأولى والتي كانت مهزلة حقيقية، بعد أن تحوّل المهرجان الاستعراضي على الطريقة الأمريكية الذي أرادته قيادة تحيا تونس إلى فشل ذريع، أجبر قيادة الحزب على تأجيل جلسته الختامية ريثما يتم حشد أعداد أكبر تليق بالحزب الذي يطرح نفسه الرقم واحد في البلاد. ولكن تسخير أجهزة الدولة وامكانتها لإنجاح المؤتمر في جزئه الأخير زاد في تكريس الصورة المنطبعة عن الحزب لدى الرأي العام من أنّه حزب الدولة، وبدونها لا يستطيع هذا الحزب حتى أن يحافظ على تماسكه.

– ولكن وفي المقابل أيضا فإن المعارضة التقليدية، سواء التي عوّلت على استثمار دم الشهيدين، ونقصد هنا الجبهة الشعبية، أو حاولت احتكار النفس الثوري، ونقصد هنا التيّار الديمقراطي، فكلاهما فقد إشعاعه أو خسر جزءا هاما من قواعده المحافظة دون أن يكسب شيئا بسبب موقفه من قضية الميراث. ولا نتحدّث عن الحراك أو المؤتمر وغيرها من أحزاب المعارضة التقليدية، فهي باتت للأسف الشديد على الهامش، وتجهد كي تحافظ على وجودها علاوة على أن تفكر في تصدّر المشهد.

أمّا النهضة، فهي ليست معزولة وهي في نظر التونسيّين جزء من “السيستام” ووجودها في الحكومة الحالية عمّق هذه النظرة بل جعلها في الحدّ الأدنى مشاركة انتهازية أي قابلة بتمثيل ضعيف من أجل المحافظة على الوجود في السلطة فقط..

هذا هو الوضع في بلادنا اليوم فهل من حل؟

الحل يكمن كما نرى في استفاقة “السيستام” قبل فوات الأوان، وإدراكه لحجم المخاطر التي تتهدّد التجربة، وحتى لا تتحوّل تونس التي فجرت الربيع العربي إلى دولة فاشلة، أو تسلم مفاتيح السلطة فيها إلى قوى شعبوية. وفي هذا السياق لا بدّ كما نرى أن تتوقّف القوى الأساسيّة عن المشاحنات فيما بينها، وتعيد ترتيب علاقات بناء على ما يطرح من تحدّيات في الساحة وصعود قوى قد تعيد البلاد إلى ما قبل العصر الحجري.. ثمّ المرور بعد ذلك وفي أسرع وقت ممكن إلى إقامة تحالف بين الرئاسة والشاهد والنهضة بهدف إنقاذ النظام وتنبيه التونسيّين إلى خطورة الانجرار وراء الشعبويّة وما تحمله من مخاطر صعود أصوات التطرّف التي يمكن أن تغذّي العنف وهو ما تسعى إليه جهات عدّة تريد إجهاض التجربة وإفشال الانتخابات… لا مجال للمناورة في هذه اللحظة وعلى النهضة بالذات إن تأكّدت من استحالة التعايش داخل ائتلاف حاكم متجانس وقادر على قيادة البلاد بعد الانتخابات الانسحاب من الحكومة.