القائمة

تونس الآن

تونس الآن

يحدث فقط في تونس.. إلى متى تعيق بعض النقابات الحرب على الفساد الإداري؟

يحدث فقط في تونس.. إلى متى تعيق بعض النقابات الحرب على الفساد الإداري؟

فايزة ناصر

مدونة تونسية

نخر الفساد في الحقبة البائدة مختلف مفاصل الدولة، وكان يكبر ويترعرع في أحضان سلطة الاستبداد وبطانتها والموالين والمقربين منها. لما كنا نرزح تحت طائلة النظام النوفمبري البائد كان كل شخص أو هيئة أو فئة غير فاسدة عدوا لسلطة الفساد، التي تبني وتّولد شبكة أخطبوطيّة لحماية نفسها، وتروّع كل من يتجرأ على انتقادها، وكان كل حديث عن الإصلاح أو التغيير بمثابة نافذة تهدّد مصالح الفاسدين المحميين بآلة القمع السلطوية، التي تعمل على نشر ثقافة الفساد، يساعدها في ذلك وسائل الإعلام التي تهيمن عليها، وأبواق بعض المثقفين وأصحاب الأقلام المأجورة، التي كانت تصوّر الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على أنّه في أفضل حالاته.

كانت هناك حينها فئة قليلة فاسدة تستحوذ على معظم ثروات البلد من أراض وعقارات وأموال، وثروات إلى جانب السلطة والنفوذ، بينما تعاني غالبية الشعب لا سيما في المناطق الداخلية الحرمان والفقر. وكان التخطيط التنموي الذي يرسمه النظام موجّها بشكل بعيدا عن انتشال التونسيين من الفقر والتهميش والبطالة. من أجل كل ذلك كان أولى أولويات أهداف الثورة مقاومة الفساد ومطاردة الفاسدين.. واتفقت كل القوى الوطنية المؤمنة بالثورة على أن محاربة الفساد هي أم المعارك في هذه المرحلة وأنه لن تكون هناك تنمية ولا عدالة اجتماعية ولا انتعاشة اقتصادية في ظلّ تواصل الفساد وتغول الفاسدين..

وأمام الحلم بالتنمية والعدالة الاجتماعية، كان لا بدّ من القيام بخطوات حقيقية ومسؤولة ونوعية للحدّ من هذه الآفة التي تنخر الاقتصاد التونسي وتقطع أوصاله.. كان لا بد من توفير الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد لتحقيق عمليّة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بنجاح. كان لا بدّ من فرض رقابة على كل المسؤولين كل في مجال عمله.. كان لا بد من وضع عقوبات صارمة على كل من يثبت عليه فساد وتنفيذها، كان لا بدّ من تكثيف دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، و تعزيزه وتوسيع دائرة نشاطها..

كان لا بدّ من وضع أطر ومعايير واضحة وحاسمة للمتقدمين إلى الوظائف، وكذلك في الترقيات ومعاقبة أي شخص أو جهة، يثبت عليها عدم التقيّد بهذه المعايير، وتشكيل لجان تعمل على تطبيق هذا الأمر ومتابعته؟ كل هذه الخطوات كانت حتميّة وكان حولها إجماع حسب ما صرّح به الجميع، ولكن يبدو أن المعيقات والعراقيل كانت أكثر بكثير من هذه الإرادة وأقوى من إنجاح الحرب على الفاسدين..

ففضلا عن تهاون الدولة وتباطئها وفضلا عن ارتهان الإعلام وتواطئه وفضلا عن ضعف الهيئات الرقابية وتشتت جهودها، يتصدر جدار الصد المنيع ضد مقاومة الفساد ومحاصرة وتضييق الخناق على الفاسدين التواطؤ النقابي وانخراط النقابات في هذه المعركة دفاعا عن الفاسدين من منظوريها.. وهذا أبشع وأخطر أنواع الفساد وأشدها استعصاء.. الفساد المدعوم والمحمي من طرف النقابات العمالية..

تعيش تونس منذ أكثر من سبع سنوات حالة من تغوّل النقابات والإدارة العميقة التي تتقن جيدا كيف تحمي فسادها بواسطة النقابات، ويتزامن ذلك مع تعمق مسألة تغوّل النقابات، في مختلف القطاعات خاصة منها تلك الحيوية كالنقل والصحة والتعليم. وتُوجّه إصبع الاتهام إلى النقابي باعتباره لاعبا برز دوره في الساحة الادارية ما بعد الثورة وأصبح يوازي كبار المسؤولين داخل الادارة، على اعتبار قدرته على التعبئة لشلّ العمل الإداري ولإبطال قرارات واستصدار أخرى.

وبالرغم أنّه من المفروض أن تكون الدولة أوسع من المجتمع والمجتمع المدني الذي هو بعض من الدولة لا كلها، نسفت الحالة التونسية بعد الثورة هذه القاعدة الكونية لتؤسس لحالة غريبة وشاذة. فبعض المجتمع المدني التونسي استولى على دولة ما بعد الثورة وصنع دولته داخل الدولة.. والسؤال الذي يثير نفسه بشدة ويلح علينا جميعا، هو ماذا سيبقى من هيبة الدولة إذا سقط الإجماع العام حول سلطتها على المجتمع؟ وأي حرب على الفساد ستخوض في ظل تغوّل النقابة وتصدّرها للدفاع على الفاسدين من منظوريها؟

في قضايا فساد في المستشفيات اكتشف الناس قوّة نقابة الأطباء ونقابة الممرضين ونقابة الاطارات الادارية، وفي مجال فرض التصريح بالممتلكات والإجابة والتدقيق فيها، اكتشف الناس قوّة نقابة إطارات وزارة النقل، وفي معارك إصلاح التعليم اكتشف النّاس قوة نقابة التعليم، وفي غزوة محكمة الناحية ببن عروس اكتشف الناس قوّة النقابات الأمنية وجرأتها.

لقد ترسخت عند الكثيرين قناعة مفادها أن القطاعات المهنيّة تحمي نفسها ومصالحها ونظرائها بقطع النظر عن المصلحة الوطنية.

أستاذ تعليم ثانوي يُضبط وهو بصدد الاعتداء جنسيا على تلميذات قاصرات في إحدى ولايات الوسط التونسي، تتصدّر النقابة للدفاع عنه وتمنع أي إجراء عقابي ضده.. موظفين بوزارة النقل يُكشف حسابات خيالية في حساباتهم البنكية جرّاء سرقات واستغلال فاحش للممتلكات الدولة، فتتدخل النقابة في معركة شرسة ضدّ السلطة التنفيذية وضد أي إجراء ّ وتحميهم وتتلف ملفاتهم.. مافيات في وزارة الصحة، عملة وموظفون ومديرون عامون وطواقم طبية، منخرطون جميعهم في سرقات ضخمة للأدوية والأجهزة الطبية الباهظة الثمن والاتجار بها، والنقابة كالعادة تستميت في الدفاع عنهم وعن بقائهم، وتتصدّى بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية لأي محاولة من طرف السلطة التنفيذية للمساس بهم أو إيقافهم عن العمل أو مجرّد التحقيق معهم بحجة التضامن القطاعي وعدم المساس بمنظوريها..

كاتب عام نقابة في إحدى ولايات الجنوب الشرقي يقتحم مكتب مدير مستشفى ليهدده ويفرض عليه بالقوة تغير قيّمة عامة بالمستشفى فقط لأنها لا تنضوي تحت سلطتهم ومعبدهم، فهم يعينون ويعزلون..

يحدث هذا في تونس بعد الثورة في ظل حرب على الفساد الذي ينخر سوسه مفاصل الدولة ويعلّ إدارتها، يحدث في تونس ما بعد الثورة أن يتحول دور النقابات العمالية من حل القضايا والمشاكل في مكان العمل، باعتبارها صوتا للموظفين تمثلهم خلال المفاوضات. ومن ضمان إيفاء أرباب العمل بالحد الأدنى من التزاماتهم للموظفين، ومن النظر في الانتهاكات المشتبه بها في مكان العمل، والتأكد من أنه لا تمييز بين الموظفين، ومن إدارة عدة أمور متعلقة بالأشخاص أو العاملين المنضمين إليها، باعتبارهم من منظوريها، ومنها الأجور، والرواتب. وساعات العمل، والتقاعد. والتأمين الصحي، والإجازات المرضية، والصحة والسلامة في مكان العمل، أي ظروف العمل بشكل عام، يحدث أن تتحول هذه الهياكل المهنية إلى سلطة ثالثة موازية للسلطة القضائية، تدين وتحاكم من تشاء وتبرؤ ساحة من تشاء.. هي مؤسسة مكتملة الاركان داخل المؤسسة، هي سلطة فوق السلطة ودولة داخل الدولة.. منظوريها فوق المحاسبة وفوق القانون ووفق القضاء وفوق الدولة وفوق مصلحة الوطن وغير معنيين بأي حرب على الفساد والفاسدين.. فأي اصلاح إداري هذا الذي نتحدث عنه وأي حرب على الفساد سنخوض أمام هذا التغول وهذه الصدّ المنيع في ظل وهن الدولة وضعف آليات تطبيق القانون؟ كل الفعاليات والحساسيات الوطنية المعنية بمصلحة تونس والمعنية بتحقيق أهم عماد من أعمدة الثورة معنيون جميعا بالبحث عن إجابة عن هذا السؤال..