Menu

تونس الآن

تونس الآن

دروس في النسبية والتواضع بمناسبة عيد الجمهورية

دروس في النسبية والتواضع بمناسبة عيد الجمهورية

الدكتور مهدي مبروك

كاتب وسياسي تونسي

على بعد اقل من 500 كلم من باريس (مكة الحداثة التي يحج اليها البعض من نخبنا السياسة والثقافية) تقع عاصمة هولندا امستردام. في هذه المملكة التي تحيا حداثتها على طريقتها الخاصة، وخارج النسخة الفرنسية السطحية، لا يعتمد النظام الجامعي للتوجيه على آلية التوجيه الانتقائي حسب المعدلات والتنفيل الخ، إذ يحق لأي طالب أن يختار الشعبة التي يريد، وعليه إثبات جدارته عند الدراسة فقط ... الانتقاء المسبق حسب صيغة المعدلات امر مرفوض تماما . 

في هذه المملكة يكاد يمنع أي إضراب في الوظيفة العمومية وفي الحالات النادرة فانه يقع اختصام الاجر اليومي للمضرب، ويحق لاي مواطن ان يتظلم للقضاء لوضع حد للاضراب حتى في القطاع الخاص، إذا رجح القاضي ان مضار الاضراب اللاحقة بالمواطنين اكبر من الفوائد التي يجنيها المضربون (قاعدة جلب المصالح ودرء المضار تقريبا). لا يشك اجد ان هولندا معادية للعمل النقابي أو هي مضطهدة للعمال وكل تلك السرديات التافهة التي تقدمها ثقافة البعض النقابية الرثة والممجوجة.

وأخيرا احتفلت اثيوبيا منذ يومين تقريبا بشراء خطوطها الجوية العمومية الطائرة رقم 100 وهي مرتبة اول شركة طيران في افريقيا، وهي من ضمن 15 شركة على المستوى الدولي مستوفية لمبادئ الحوكمة والشفافية، وهي من اكثر الشركات قدرة تنافيسة ليس في افريقيا بل في العالم . 
الشركة عمومية ولكن اساليب التصرف والادارة المعتمدة لا تختلف في شيء من حيث النجاعة عن اي ناقلة خاصة اخرى.

ناقلتنا الوطنية والعمومية ما زالت تفاخر بان نقابتها تورث ابنائها الوظائف، وأن سرقة امتعة المسافر قد تراجعت، وان ذلك أمر لا يستحق كل هذا اللغط .. اثيوبيا يسخر منها البعض وهي تستحق ان تكون درسا منه نستفيد فما زال البعض يعتقد انها بلاد المجاعات فقط ....

بلاد نا تعشق السرديات السطحية: 3000 سنة من الحضارة ... وقداسة المؤسسات الوطنية باعتبارها مكسبا حتى ولو كان من دماء المحموعة الوطنية ... المستفيدون من ذلك لوبيات "فساد وطني/ عمومي" النقابات متمعشة منه باسم الوطنية والعمومية ...

خارج هذه التبعية لمكة الحداثة الفرنسية وخارج هذه السرديات المتورمة والمنثنية على ذات مغرقة في نرجسيتها علينا ان نكون اكثر تواضعا وهو شرط تقدير الذات الحقيقي والحرص على تجديدها.

عيد جمهورية ملؤه التواضع والحرص على النهوض مجددا.