تونس الآن

تونس الآن

خاص ل"تونس الآن": ندوة الحاجة إلى السّؤال الدّيني لترسيخ الحرّيّات الفرديّة وتعزيز الثّقافة الوطنيّة (تفاصيل وتصريحات)


خاص ل"تونس الآن": ندوة الحاجة إلى السّؤال الدّيني لترسيخ الحرّيّات الفرديّة وتعزيز الثّقافة الوطنيّة (تفاصيل وتصريحات)

لقد تعرّض مفهوم الدّين من جهة الاعتقاد الوجداني والتّصور النّظري والممارسة الطّقوسية إلى قصف معرفي عنيف وتوظيف سياسي مريب وعنف تأويلي صاخب، وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ التّجربة الدّينيّة هي تجربة لغوية بالأساس تتحرّك حول نصّ مؤسّس ونبي مرسل وجماعة من المؤمنين، فإنّ أي محاولة فهم متّصلة بها ترتهن في الغالب بجملة من الرّموز الحضاريّة والقوى الاجتماعيّة والمفاعيل التّاريخية، وتتراوح في وضع الأحكام بين التّعميم والتّخصيص، وفي استحضار المقاصد بين الكلّي والجزئي، وفي التّعامل مع النّصوص بين التّفسير الموضعي والتّقعيد الشّمولي. لذلك يظلّ التّفاعل مع التّغييرات التّاريخية والتّحولات الاجتماعية والتّقدّم العلمي والمنعطفات السّياسيّة التّحدي الكبير الذي يواجه تلك المحاولات ولا سيّما منها المنبثقة من المؤسّسات الدّينية -إن وجدت- والتي تستشعر حتميّة التّجديد والتّطوير والإصلاح والتّحديث بغية إنجاز التّصالح مع الواقع الاجتماعي والعالم الدنيوي، والتّفاعل مع موجات العصر.

   من جهة ثانية تعاني الأمّة النّاطقة بلغة الضّاد بما هي هويّة سرديّة مؤتمنة على احترام الأمر القطعي "اِقرأ" من جهة انفتاحها على القيم الكونيّة، العديدَ من المشاكل الهيكليّة والأزمات البنيويّة بسبب تفشّي الإرهاب المعولم والحروب الأهليّة والنّزعات الدّامية الدّاخلية في المشهد الكوني، وغياب المشروع الدّيمقراطي وما يرافقه من التزام بثقافة حقوق الإنسان والمواطنة في المشهد الدّاخي، إلى جانب فشل المنوال التّنموي المتّبع، والوقوع في مأزق التّفكّك والانقسام والتّدمير الذّاتي للسّيادة، وإضعاف النّفوذ السّيادي المؤتمن على توجيه القدرات الذاتيّة وحكمها. يضاف إلى ذلك سوء تقدير العامل الخارجي وضعف التّحسّب لسطوة الثّقافات الاختراقية، التي ما فتئت تكتسح رأس المال البشري في بعديه المادّي والرّمزي، وتستوطن فضاءه النفسي والجغرافي، وتهيّئه -عبر ترسيخ التّبعيّة- لحالة من التّطبيع القسري والإرادي.

   من جهة ثالثة برزت للنّقاش العمومي قضيّة المساواة في الإرث بين الجنسين الذكر والأنثى، وقد طُرحت ضمن البحث عن التمييز الايجابي وتحقيق العدالة في بعدها الشّامل، وتوهّم البعض وجود تناقض بين هذه المطالب والمدوّنة التّشريعية في موازنتها الفقهيّة التّقليدية، فيما استنجد البعض الآخر بعلم الهرمينوطيقا وما يتيحه الفهم المقاصدي للشّرع من فرص لاستئناف باب الاجتهاد.

لكن كيف يطرح السّؤال الدّيني قضية ترسيخ الحرّيات الفرديّة والحقوق الأساسيّة والخاصّة في مستوى أوّل، ويعمل في الوقت ذاته على تعزيز الوحدة الثّقافية للأمّة والمحافظة على الرّأسمال الرمزي للملّة في مستوى ثان؟

من هذا المنطلق تلتمس بعض القوى الاجتماعيّة الجواب في المعطى الدّيني، وتعتبره خلاصا لها من العجز الواقعي وتعوّل عليه في ثوبه التّقليدي لمحاورة التّحديات، في حين يقوم بعض المستنيرين بتلطيف هذه الالتفاتة إلى الدّين من خلال استشراف خيار السّؤال الدّيني بوصفه طريق وعي الذات، الذي يقوم أساسا على مطلب الاستفاقة الثّقافية واليقظة المعرفيّة من جهة والحرّية والمواطنة الدّيمقراطية من جهة أخرى.

يفترض أن تتقدّم عمليّة أنسنة الخطاب الدّيني خطوات واثقة في طريق العلومية بما يسمح بقبول الاختلاف والتّعدّد داخل الحالة العربيّة، وأن يتّجه التّجديد في الفكر العقائدي نحو إلغاء أحكام النّبذ والإقصاء والغلوّ مقابل التّحلي بالمرونة والانسيابيّة، بغية الانتقال من "علوم" تقصر الاهتمام على الآخرة والغيب، إلى معارف تعمّق الوعي الشّهودي وتنظر في شؤون الدنيا وتحرص على تدبير الفعل الحصيف والسلوك المدني وتجعل من التّسامح القيمة المضادّة للتعصّب.

   بيد أن المشاكل التي يمكن إثارتها حول حضور العامل الدّيني في الدّفاع عن الخصوصيّة الإنسانيّة والمصلحة العامّة تصاغ على النّحو التّالي: كيف يتم تأسيس الفعاليّة النّقيّة ضمن التّجربة الدّينيّة ببعديها الفردي والجمعي؟ هل يتعارض احترام المقدّس من زاوية الواجب مع مطلب تحقيق الحرّيات الفرديّة من جهة الحق؟ كيف يمكن فهم مطلب المساواة في الإرث داخل النصّ الدّيني بدلالاته القطعيّة؟ ألا يتطلب الأمر إصلاحا في المنظومة الفقهيّة التّشريعيّة؟ وكيف تتسنّى المواءمة بين سلطة العقل الفقهي وسلطة المنطق في سياق إمكانات التّجديد المتاحة؟ وكيف نفهم تزامن مطلب الإصلاح الدّيني مع مستجدّات الحوار مع الآخر المختلف؟

ألا يمكن أن تتسبّب ممارسة النّقد الذاتي في الأزمنة العصيبة في اهتزاز الثّقة بـ"الذّات" وإضعاف القدرة على المواجهة في حالاتها القصوى والمحاورة في حالاتها الدّنيا؟ كيف يمكن أن يخوّل تحديث الفكر الدّيني استمراريّة ثقافة المقاومة؟ وكيف يصبح تحرير الفرد من القيود التي تشلّ إرادة الحياة هو الطريق الأوفق لتحرير الأرض واستعادة زمام المبادرة و الإبداع؟ والى أيّ مدى تحتاج الثّقافة الوطنيّة إلى فقه محرر للإنسان و علم كلام يطلق الإرادة و يؤسس للقدرة على الفعل؟

في هذا الإطار، نظم منتدى الجاحظ و جمعية ارتقاء، اليوم السبت 30 ديسمبر 2017 ندوة تحت عنوان : "الحاجة إلى السّؤال الدّيني لترسيخ الحرّيّات الفرديّة وتعزيز الثّقافة الوطنيّة".

قدمها كل من:

- عبد المجيد الشرفي: كاتب ومفكر تونسي, مختص في الفكر والحضارة الإسلامية
- محمد المستيري: أستاذ علم الكلام بجامعة الزيتونة ورئيس مركز الدراسات الحضارية بباريس، الذي خصّ "تونس الان" بالتصريح التالي:

- سليم اللغماني: أستاذ قانون عام و عضو بلجنة الحريّات الفرديّة والمساواة
- منجية السوايحي: أستاذة التفسير وعلوم القرآن بجامعة الزيتونية
- صلاح الدين الجورشي : مفكر و إعلامي و عضو مؤسس لمنتدى الجاحظ، الذي خصّنا بالتصريح التالي:

على هذا الأساس تسعى العقلانيّة الدّينية في الحقبة المعاصرة إلى وضع فعل التّقديس على محكّ التّجربة العلميّة وتنظر إليه بمناهج موضوعيّة وتدرسه بمعايير العادي والدّنيوي والعلماني، وتقوم بتنزيل المسألة الدّينية ضمن حقول بحثيّة تحتكم إلى مناهج التّفسير والتّأويل وتسلك مسارات الفهم والتّوضيح والوصف الفنومينولوجي للخبرات.

بيد أنّ الرّهان الأساسي من هذه البحوث هو تهيئة التديّن من جهة التّصورات والأحكام، كي يجمع بين تشريعات التّرسيخ وإجراءات التّعزيز. لكن ماهي الشّروط الضّرورية التي تجعل الدّين في خدمة الحرّية والحقوق؟ وأنّى للسّؤال الدّيني أن يكون الوصفة السّحرية التي تحرز بداية إعادة الاعتبار والحضور الفاعل في الحضارة الإنسانيّة وتساعد الفرد في الحالة العربيّة على صيانة حرّيته والدّفاع عن سيادة وطنه من ناحية ثانية؟

اقرأ أيضا: